استقلال البنوك المركزية بين الضغوط السياسية ومتطلبات المساءلة

تحديات القرن تتطلب تفويضات واضحة للبنوك المركزية تحظى بتأييد الجمهور وتتيح التحرك السريع والحاسم

إخفاقات البنوك المركزية في أزمة 2007-2009 وما بعدها تعيد الجدل بشأن حدود استقلالها وصلاحياته

اتهامات للبنوك المركزية بتجاوز صلاحياتها إلى ملفات البيئة والعدالة الاجتماعية وإدارة شؤون الدولة

الأزمة المالية والجائحة طمستا الحدود بين السياستين النقدية والمالية مع التوسع الهائل في شراء السندات الحكومية

الخلاصة

على مدى 50 عاماً، خدمت استقلالية البنوك المركزية الاقتصاد العالمي بكفاءة، لكنها تواجه الآن ضغوطاً سياسية لتقييد صلاحياتها. يُحذر من تسييس السياسة النقدية لما قد يسببه من تقلبات وفقدان ثقة المستثمرين. رغم الانتقادات، يبقى استقلال البنوك المركزية ضرورياً لمواجهة تحديات القرن الـ21 والحفاظ على استقرار الأسعار.

على مدى ما يقرب من 50 عاماً، منذ أن أظهر بول فولكر، رئيس الاحتياطي الفيدرالي آنذاك، شجاعة هائلة برفع أسعار الفائدة إلى 20% للقضاء على التضخم شديد الارتفاع، خدم استقلال البنوك المركزية الاقتصاد العالمي بكفاءة بالغة، وأطلق ازدهاراً تاريخياً، وخفف حدة دورات الانتعاش والركود. لكن هذا النجاح نفسه، والسلطة الممنوحة لصناع السياسات، جاءا أيضاً بثمن يقول المشرعون إن أوان سداده قد حان.

أدت البنوك المركزية التي تعمل بحرية بعيداً عن الدورات الانتخابية لتوجيه الاقتصاد، عملاً ممتازاً في الاستجابة لتقلبات الأسعار والتوظيف، والتذبذبات الحادة في أسواق رأس المال.

لكنها لم تصب دائماً في كل شيء. فقد تأخرت في معالجة الأزمة المصرفية بين 2007 و2009، وأبقت أسعار الفائدة منخفضة أكثر مما ينبغي ولفترة أطول مما ينبغي في السنوات التالية، ما أثار اتهامات بأنها غذت فقاعات في الأسواق المالية والعقارية، كما أفلت التضخم من قبضتها عندما أعادت الاقتصادات فتح أبوابها بعد جائحة "كورونا".

ثم هناك ما يُنظر إليه على أنه تجاوز للصلاحيات. إذ يُتهم مسؤولو البنوك المركزية باستخدام استقلاليتهم التي تحظى بتقدير كبير لصياغة توجهات وطنية تجاه قضايا تقع، على نحو أكثر ملاءمة، ضمن اختصاص البرلمانات والحكومات، مثل البيئة، والعدالة الاجتماعية، وإدارة شؤون الدولة.

السياسة تهدد استقلال البنوك المركزية

قد يصر السياسيون على أنهم يدعمون استقلال البنوك المركزية، لكنهم يريدون الآن تقليص نطاق ما يستطيع صناع السياسات فعله، والتحكم في كيفية فعله وموعده. مع ذلك، لم تكن الحجة الداعمة لحرية تنفيذ السياسة أقوى مما هي عليه الآن. وتُعد قدرة البنوك المركزية على التحرك بحسم عندما تعجز أذرع الدولة الأخرى أمراً ضرورياً لاجتياز قرن يتشكل على أيدي سياسيين شعبويين مصممين على كبح جماح أي سلطة تقع حالياً خارج نطاق سيطرتهم.

يريد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أن يكون له رأي في السياسة النقدية. وزعم آندي بيرنام، رئيس الوزراء البريطاني الجديد، عندما كان عمدة مانشستر، أن البلاد رهينة أسواق السندات، في إدانة ضمنية لبنك إنجلترا. (ومنذ ذلك الحين، سعى بيرنام إلى تبني خطاب أكثر مراعاة للأسواق).

في الوقت نفسه، يضع التكتل الصاعد المناهض للمؤسسة بزعامة نايجل فاراج بنك إنجلترا نصب عينيه. ويستاء المشككون في اليورو من النفوذ الهائل للبنك المركزي الأوروبي؛ ويريد مرشحو أقصى اليمين، الذين تُظهر استطلاعات الرأي تنامي زخمهم، أن تعكس السياسة الأولويات المحلية بدلاً من الاحتياجات على مستوى المنطقة.

وحتى القادة المنتمون إلى التيار الرئيسي وجدوا سبلاً لتقييد بنوك مركزية بعينها. ورفضت نيوزيلندا طلبات تمويل من بنك الاحتياطي، وجردته من بعض مسؤولياته.

مخاطر تسييس السياسة النقدية

هذه هي الانتهازية في أسوأ صورها. فإذا أصبحت البنوك المركزية خاضعة للإملاءات السياسية، فمن المرجح أن تخرج توقعات التضخم عن السيطرة، وأن تصبح أسعار الفائدة عرضة لتقلبات أكبر، وأن تزداد هشاشة ثقة المستثمرين.

ويقدم التاريخ درساً بشأن ما يحدث في غياب الاستقلال، ففي سبعينيات القرن الماضي، وهي فترة اتسمت بحالات ركود متقطعة وارتفاع حاد في التضخم، اعتقد أسلاف فولكر أن المشكلات عصية على الحل. وفي بريطانيا، ارتفعت أسعار الفائدة وانخفضت بصورة حادة، وأحياناً خلال 24 ساعة، قبل أن تتخلى الحكومة في نهاية المطاف عن السيطرة لصالح بنك إنجلترا. لا يمكن أن تكون البنوك المركزية بمنأى عن المساءلة، فهي تستمد تفويضاتها من البرلمانات؛ والاستقلال ليس أمراً مسلماً به، بل يجب اكتسابه.

ولكي تتمتع بحرية التحرك وتؤدي أدوارها بفاعلية، وفي مقدمتها الحفاظ على استقرار الأسعار، يحتاج الجمهور إلى فهم قراراتها، والثقة بها، ودعمها. وعملياً، يعني ذلك الخضوع لمراجعات متكررة، وهو أمر يميل المسؤولون إلى الترحيب به رسمياً، لكنهم ينظرون إليه بقلق سراً. وكان التحقيق الذي أجراه بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأسبق، في 2024 بشأن توقعات بنك إنجلترا مثالاً جيداً. إذ كشف أوجه قصور في توقعات البنك واتصالاته، وهي عيوب تعهد رئيسه بإصلاحها.

وخلص تقرير بارز صدر في 2023 بشأن بنك الاحتياطي الأسترالي إلى أن المؤسسة شديدة الانغلاق على نفسها، وأن بإمكانها تحسين طريقة توصيل نهجها إلى الجمهور بدرجة كبيرة. ويُجدد تفويض بنك كندا كل 5 سنوات، على أن يكتمل أحدث تقييم خلال الأشهر المقبلة.

إصلاح استقلالية السياسة النقدية

يُعد تبني مثل هذه التقييمات مع الحفاظ على المسؤوليات الأساسية مفتاح الاستمرارية والاستقلال في القرن الـ21. وإذا صُمم نظام نقدي من الصفر، فسيحمل عديد من سمات أفضل البنوك المركزية، مثل الدرجة العالية من حرية التصرف في السعي لتحقيق الأهداف التي تحددها له الهيئات التشريعية، وهو ما يُعرف بالاستقلالية التشغيلية؛ إضافة إلى أهداف واضحة تخضع لضبط دقيق بانتظام،.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الاقتصادية

منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 31 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 8 ساعات
قناة العربية - الأسواق منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 29 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ 7 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 4 ساعات