عماد داود يكتب : جعفر حسان وعبد الرؤوف الكسم... ماذا تفعل الدولة برئيس حكومتها؟

الباب وحده يكشف الدولة!

ليس الدستور. ليس الخطاب. ليس العلم فوق المبنى الرسمي. الباب. لان الدولة الحقيقية هي التي تعرف اين ينتهي بابها واين يبدا باب جارها. والدولة التي لا تعرف حدود ابوابها لا تبتلع المؤسسات فحسب، تبتلع المواطن الذي يقف امامها ظانا انه يقف امام قانون.

عشت هذا. في سورية. وما تعلمته هناك لا يأتي من كتاب.

في الجامعات السورية التي درست فيها كان للحزب باب خاص، وللأمن باب خاص، وللإدارة باب خاص. لكن الابواب الثلاثة كانت احيانا تفتح على غرفة واحدة. وحين لا تعرف اي باب سيفضي الى اي غرفة، تتوقف عن الدخول من اي منها. وهذا بالضبط ما ارادته الدولة: مواطن يقف على العتبة، لا داخلها ولا خارجها، في المسافة التي تصنع الطاعة من الخوف لا من الاقتناع.

واذكر المشهد كما بقي في ذاكرتي: مقر الحزب في بعض المواقع كان يبدو اكثر حضورا وفخامة من مقر الجامعة نفسها. قد تبدو الملاحظة معمارية. هي في الحقيقة سياسية! حين يصبح المبنى الذي يمثل التنظيم السياسي اكثر هيبة من المبنى الذي يمثل العلم، فان الرسالة تصل الى الطالب دون ان تحتاج الى مكبر صوت. الطالب يدخل الجامعة فيرى الحزب قبل ان يرى العلم. والسلطة لا تجلس في الغرفة المجاورة فحسب، تجلس على المنصة ذاتها.

الخوف لا يحتاج ان يرفع صوته. يكفيه ان تعرف ان للصمت ثمنا!

والدولة التي تخاف من مراتها لا تكسرها. تفعل ما هو انعم واخطر وابعد اثرا: تعلم مواطنيها، جيلا بعد جيل، الا ينظروا فيها من الاصل. وحين ينجح هذا التعليم لا تحتاج الدولة الى اجهزة كثيرة. يصبح المواطن هو جهازها الاكثر طاعة، لانه تعلم طوعا ما كان يفرض عليه قسرا.

كنت في سورية حين كانت اسماء الاجهزة الامنية تكفي احيانا لتغيير نبرة الحديث. اما الفرع 235، المعروف بفرع فلسطين، فكان اسمه يحمل تناقضا يكاد يكون فاضحا: فلسطين، اسم القضية التي تحمل في الوجدان العربي معنى الارض والحرية والكرامة، يعطى لفرع وثقت منظمات حقوقية من بينها هيومن رايتس ووتش شهادات عن القتل والضرب والصعق الكهربائي والشبح والتهديد وسوء المعاملة داخله، ووصفه معتقلون سابقون بانه من اكثر مراكز الاعتقال اثارة للخوف. كانت لي تجربتي الشخصية مع احد فروع الامن المرتبطة بالمخابرات الجوية. علقت هناك. وهنا لا احتاج الى استعارة. فقد كنت هناك!

ولهذا حين اسمع اليوم حديثا عن هيبة الدولة، اعرف ان ثمة فرقا هائلا بين الهيبة والخوف. الفرق بينهما مثل الفرق بين الوقوف والركوع: الهيبة تجعل المواطن يقف مستقيما امام القانون، والخوف يجعله يبحث اولا عن الشخص الذي يقف خلف القانون، ثم ينحني.

هنا يظهر عبد الرؤوف الكسم.

مهندس واكاديمي واستاذ جامعي، تولى رئاسة الحكومة السورية من عام 1980 الى عام 1987 في عهد حافظ الاسد، وتوفي في ميونيخ في اكتوبر 2025 عن نحو 93 عاما. والانصاف هنا واجب، لان اختزال الرجل في نظامه ظلم للتاريخ. تشير مصادر عدة الى انه حاول مواجهة فساد كبار الضباط، وان صدامه مع وزير الدفاع انذاك مصطفى طلاس كان وراء ابعاده عام 1987. رجل ربما اراد. ربما حاول. ربما كان نظيفا في مكتبه بينما كان ما حوله يتاكل.

لكن هذا بالضبط ما يجعل سؤاله اكثر قسوة من سؤال اي طاغية: كرسيه كان فارغا من القرار! القرار في المخابرات. القرار في مراكز القوة. القرار في غرف لا يفتحها رئيس الحكومة ولا يغلقها. المؤسسة التي منحته المنصب كانت هي نفسها التي حددت سقف حركته. وعندها يصبح السؤال عن الرجل اقل اهمية من السؤال عن الدولة: ماذا يستطيع رجل مستقيم ان يفعل داخل دولة تحدد سقف استقامته؟ دولة كهذه، حين تحدد هذا السقف، لا تحمي نفسها. تحمي فسادها من ان يرى!

ولهذا اعود الى الاردن بحذر.

وجعفر حسان امامنا اليوم. رجل اكاديمي وسياسي عمل في التخطيط والتعاون الدولي والديوان الملكي والشؤون الاقتصادية، ثم تولى رئاسة الحكومة في سبتمبر 2024......

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من خبرني

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من خبرني

منذ 9 ساعات
منذ ساعتين
منذ 11 ساعة
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة رؤيا منذ ساعتين
موقع الوكيل الإخباري منذ 18 ساعة
خبرني منذ 15 ساعة
وكالة عمون الإخبارية منذ 16 ساعة
خبرني منذ 14 ساعة
عين اف ام منذ ساعتين
رؤيا الإخباري منذ 6 ساعات
وكالة عمون الإخبارية منذ ساعتين