تصوّر إصلاحي لدمج الهيئات في الوزارات: مفتش عام للقطاع، ودمج الوحدات المساندة، ونقل تدريجي للفائض
لم يعد الجدل حول الهيئات المستقلة في الأردن ترفاً فكرياً أو سجالاً أكاديمياً؛ بل أصبح قضية رأي عام تتردد في بيوت الأردنيين وتحت قبة البرلمان على حد سواء. فالاحتجاجات الشعبية والنيابية المتصاعدة ليست اعتراضاً على وجود تنظيم قطاعي متخصص بحد ذاته، وإنما هي رسالة واضحة مفادها أن الأردنيين يريدون جهازاً عاماً أقل أجساماً وأكثر إنجازاً، وأقل كلفة وأكثر مساءلة. ومن موقع المسؤولية لا من موقع التنظير، أرى أن الحل لا يكون بترحيل الأزمة ولا بإغلاق عشوائي يفقد الدولة خبرات تراكمت عبر عقود، وإنما بدمج مدروس يعيد للوزارة مكانتها الطبيعية بوصفها صاحبة الولاية على القطاع، ويحفظ في الوقت ذاته الاختصاص الفني والاستقلالية المهنية للعمل الرقابي والتنظيمي.
أولاً: تشخيص المشكلة قبل وصف الدواء
لقد تأسس كثير من الهيئات المستقلة في سياقات تاريخية مفهومة: الحاجة إلى تنظيم قطاعات ناشئة، ومتطلبات اتفاقيات دولية، ورغبة في عزل القرار الفني عن التجاذبات. غير أن التراكم الزمني أنتج واقعاً مشوهاً: وزارات بلا ولاية كاملة على قطاعاتها، وهيئات تعمل في جزر معزولة، وازدواجية في الوحدات الإدارية والمالية والقانونية ووحدات تقنية المعلومات والمشتريات والإعلام، تستهلك من الموازنة العامة ما كان أولى به أن يتجه إلى تحسين الخدمة المقدمة للمواطن. والأخطر من الكلفة المالية هو تشتت المساءلة؛ فحين يتعثر أداء قطاع ما، تتبادل الوزارة والهيئة المؤشرات، ويبقى المواطن وحيداً يبحث عن جهة يحاسبها. هذه ليست رشاقة مؤسسية، بل ازدواجية مؤسسية بامتياز.
ثانياً: جوهر التصور- الدمج لا الإلغاء، والاختصاص لا الاستغناء
يقوم التصور الذي أطرحه على قاعدة ذهبية: نحن لا نلغي وظيفة تنظيمية قامت بها الهيئة، بل نعيد توطينها داخل الوزارة، بحيث تصبح الوزارة صاحبة الولاية الكاملة على القطاع تنظيماً وتخطيطاً ورقابة وتنفيذاً. وتتحقق هذه الغاية عبر ثلاث ركائز متكاملة:
1. دمج المهام الفنية والتنظيمية للهيئة ضمن الهيكل التنظيمي للوزارة، على شكل مديريات ووحدات متخصصة تحتفظ بكوادرها الفنية وخبراتها المتراكمة، فلا تخسر الدولة عقولاً دفعت ثمن تدريبها من مال دافعي الضرائب.
2. تحويل مسمى رئيس الهيئة إلى "مفتش عام القطاع" يرتبط بالوزير مباشرة، ويتولى الرقابة على أداء القطاع والتحقق من التزام مخرجاته بالسياسات والمعايير المعتمدة. وبذلك نحافظ على استقلالية الرقابة الفنية وموضوعيتها، ونمنحها في الوقت نفسه غطاءً سياسياً وإدارياً يجعل توصياتها قابلة للتنفيذ لا حبيسة الأدراج. فالمفتش العام ليس موظفاً إدارياً عادياً؛ إنه عين الوزير الساهرة على القطاع، وصوت الضمير المهني داخل الجهاز.
3. دمج الوحدات الداعمة والمساندة في الهيئة - من إدارية ومالية وقانونية وتقنية معلومات ومشتريات واتصال - مع نظيراتها في الوزارة، لتنتهي ظاهرة الجهازين المتوازيين اللذين يؤديان الوظيفة ذاتها بكلفة مضاعفة.
ثالثاً: العدالة.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
