لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي مقتصرة على شركات تصميم الرقائق أو مشغلي مراكز البيانات، إذ أصبحت ذاكرة أشباه الموصلات واحدة من أهم حلقات سلسلة القيمة، مع الارتفاع السريع في الطلب على أنواع متقدمة من الذاكرة، وفي مقدمتها ذاكرة النطاق الترددي العالي.
وفي هذا السياق، برزت أربعة أسهم للذاكرة باعتبارها من أبرز المستفيدين من موجة الذكاء الاصطناعي، وهي «ميكرون تكنولوجي»، و«إس كيه هاينكس»، و«سان ديسك»، و«ويسترن ديجيتال». ورغم تحرك هذه الشركات في سوق واحد، فإن طبيعة أعمالها ومصادر أرباحها تختلف بصورة جوهرية.
متجاوزة «ميكرون».. «سامسونغ» تتصدر سوق رقائق ذاكرة السيارات في 2025
ذاكرة النطاق الترددي العالي تغير معادلة الصناعة
تتميز ذاكرة النطاق الترددي العالي بقدرتها على توفير نطاق ترددي مرتفع بالقرب من معالجات الذكاء الاصطناعي، ما يجعلها عنصراً أساسياً في تشغيل النماذج الكبيرة وتسريع عمليات التدريب والاستدلال. غير أن إنتاجها أكثر تعقيداً من إنتاج شرائح الذاكرة التقليدية، ويتطلب تقنيات متقدمة في التصنيع والتكديس والتغليف وإدارة الحرارة.
وساعدت هذه القيود على خلق حالة من شح المعروض مقابل الطلب، وهو ما انعكس على هوامش الشركات. فقد سجلت إس كيه هاينكس هامش تشغيل بلغ 71.5% في الربع الأول من 2026، بينما حققت ميكرون هامشاً إجمالياً بلغ 84.6% وهامش تشغيل قدره 80.4% وفق معايير المحاسبة الأميركية في ربعها المالي الثالث.
لكن ارتفاع الهوامش إلى هذه المستويات يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تمثل أرباحاً مستدامة أم ذروة مؤقتة في دورة صناعة الذاكرة؟
لماذا تبدو ميكرون مختلفة؟
تكتسب ميكرون تكنولوجي أهمية خاصة بعدما نجحت في تحويل الطلب القوي على ذاكرة النطاق الترددي العالي إلى تدفقات نقدية فعلية. وبلغت إيراداتها الفصلية 41.46 مليار دولار، فيما وصل التدفق النقدي التشغيلي إلى 25.39 مليار دولار، والتدفق النقدي الحر المعدل إلى 18.30 مليار دولار، بينما بلغ صافي النقد 24.43 مليار دولار.
كما وقعت الشركة 16 اتفاقية استراتيجية متعددة السنوات مع العملاء، تمثل 14 منها نحو 100 مليار دولار من الإيرادات التراكمية بأسعار دنيا تعاقدية. وتغطي الاتفاقيات نحو 20% من أحجام ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية وثلث أحجام ذاكرة الفلاش غير المتطايرة خلال الفترات ذات الصلة.
وتشمل الاتفاقيات أيضاً 22 مليار دولار من ودائع العملاء والتزامات مرتبطة بها، منها نحو 18 مليار دولار متوقع أن تكون نقداً.
وتمنح هذه العقود ميكرون قدراً أكبر من وضوح الإيرادات، لكنها لا تلغي الطبيعة الدورية للصناعة، ولا تضمن استمرار هوامش الربح القياسية.
ذاكرة «سامسونغ» من الجيل السادس HBM4 المخصصة للذكاء الاصطناعي خلال مهرجان كوريا للتكنولوجيا في سيول، في 4 ديسمبر 2025.
إس كيه هاينكس.. الشركة الأقوى أم السهم الأفضل؟
تظل إس كيه هاينكس، من الناحية التشغيلية، منافساً قوياً للغاية، بل يمكن اعتبارها من أبرز الشركات في سوق ذاكرة النطاق الترددي العالي بفضل موقعها المتقدم وعلاقاتها مع العملاء، وفي مقدمتهم «إنفيديا».
لكن الفرق بين أفضل شركة وأفضل سهم مهم للمستثمر. فقد يكون النشاط التجاري الأقوى مسعراً بالفعل عند مستويات مرتفعة، بينما يقدم منافس يتمتع بإمكانات نمو أو تحسن تشغيلي أكبر فرصة أفضل من حيث العائد المتوقع.
وهنا يأتي تفوق ميكرون من منظور الاستثمار؛ فالشركة لا تعتمد فقط على توقعات اللحاق بالمنافسين، بل أظهرت بالفعل قدرة على تحقيق تدفقات نقدية ضخمة وتحسين ميزانيتها المالية.
سامسونغ وسان ديسك وويسترن ديجيتال
أما سامسونغ، فتمثل لاعباً رئيسياً في ذاكرة النطاق الترددي العالي، لكنها أقل نقاءً كرهان مباشر على الذاكرة، إذ تضم أعمالها أيضاً الهواتف والشاشات والأجهزة المنزلية وأعمال المنطق وأشباه الموصلات، ولذلك يكون تأثير نجاح الذاكرة المتقدمة على قيمة السهم أقل مباشرة.
في المقابل، تستفيد سان ديسك وويسترن ديجيتال من قطاع التخزين وذاكرة الفلاش غير المتطايرة، وهو جانب آخر من البنية التحتية التي تحتاجها مراكز البيانات لتخزين البيانات والنماذج.
وقد حققت أسهم شركات الذاكرة مكاسب ضخمة خلال 2026، مع ارتفاع سهم «سان ديسك» بنحو 584% منذ بداية العام، و«سيغيت» بنحو 228%، و«ميكرون» بنحو 229%، وويسترن ديجيتال بنحو 188%.
العظماء السبعة يطمئنون الأسواق.. كيف صححت «ميكرون» أخطاء «أوراكل»؟
طفرة حقيقية.. لكن المخاطر مستمرة
المعادلة الاستثمارية تبدو واضحة: الذكاء الاصطناعي يخلق طلباً استثنائياً على الذاكرة، لكن ارتفاع الطاقة الإنتاجية قد يؤدي مستقبلاً إلى تراجع الأسعار والهوامش.
ولهذا لا يكفي النظر إلى مضاعفات الربحية المنخفضة، لأن شركات الذاكرة تبدو عادةً رخيصة عندما تكون أرباحها قرب القمة.
وتبرز ميكرون في هذه المرحلة لأنها تجمع بين التعرض المباشر للذكاء الاصطناعي، وتحسن التدفقات النقدية، والميزانية القوية، والعقود طويلة الأجل. لذلك يمكن أن تكون فرصة استثمارية بارزة بين أسهم الذاكرة، حتى لو لم تكن بالضرورة صاحبة أفضل نشاط تجاري في القطاع.
ويبقى الخطر الرئيسي هو دورة أشباه الموصلات نفسها: فإذا اتسع المعروض بوتيرة أسرع من نمو الطلب، فقد تتراجع الأسعار والهوامش قبل أن تستعيد الشركات تكلفة استثماراتها الضخمة. وبالتالي، فإن قصة ميكرون لا تمثل مجرد رهان على استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً على قدرة الشركة على تحويل هذه الطفرة إلى أرباح وتدفقات نقدية مستدامة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

