مع إعلان نتائج الثانوية العامة كل عام، تبدأ في آلاف البيوت مرحلة لا تقل صعوبة عن مرحلة الامتحان نفسها: ماذا سيدرس الابن أو الابنة في الجامعة؟ وسرعان ما تتولد قائمة طويلة من الأسئلة: هل المعدل يسمح بدراسة الطب أو الهندسة؟ ما الجامعة الأفضل؟ ما التخصص الأكثر وجاهة؟ ماذا درس أبناء الأقارب والأصدقاء؟ وما التخصص الذي يحمل اسما جديدا وجذابا؟. لكن سؤالا أساسيا كثيرا ما يغيب عن النقاش، رغم أنه ربما يكون الأهم: "ما القيمة الاقتصادية للتعليم الذي سنستثمر فيه السنوات الأربع أو الخمس المقبلة؟".
هنا ندخل إلى مفهوم مهم لا يزال حضوره محدودا في ثقافتنا التعليمية، وهو "اقتصاديات التعليم" أي النظر إلى
ليس فقط باعتباره حقا اجتماعيا وطريقا إلى المعرفة والثقافة، وإنما أيضا باعتباره استثمارا في رأس المال البشري له كلفة وله عائد، وله مخاطر، وقد ينجح في تحسين حياة صاحبه وقد يفشل في تحقيق العائد المتوقع منه إذا أسيء اختيار مساره.
إنّ ذلك لا يعني اختزال الجامعة في وظيفة أو راتب، أو تحويل الطالب إلى آلة لحساب الربح والخسارة. فالتعليم أوسع من ذلك بكثير، وله أبعاد ثقافية وإنسانية واجتماعية لا يمكن قياسها بالدينار. لكن الخطأ المقابل هو تجاهل البعد الاقتصادي تماما، وأن تنفق الأسرة آلاف الدنانير، ويقضي الطالب أفضل سنوات شبابه في دراسة تخصص ما، ثم نكتشف بعد التخرج أن فرص
فيه محدودة للغاية، أو أن سوق
لا يحتاج إلى الأعداد الكبيرة التي تخرّجها
من ذلك التخصص.
من منظور اقتصادي، عندما تقرر أسرة أنْ يدرس ابنها أو ابنتها أربع سنوات في الجامعة، فإنها تتخذ قرارا استثماريا مهما. فالطالب يدفع رسوما جامعية، ويتحمل نفقات الكتب والمواصلات والسكن والطعام واستخدام التكنولوجيا وغيرها، إضافة إلى ما يمكن أن يسمى "الكلفة غير المباشرة أو كلفة الفرصة البديلة"وهي الدخل الذي كان من الممكن أن يحصل عليه الطالب لو دخل سوق العمل، أو استثمر نفقات الدراسة في مشروع بدلا من قضاء سنوات في الدراسة.
تعرّف الأدبيات الاقتصادية الحديثة عائد
من خلال مقارنة ما يتحمله الفرد من تكاليف مباشرة ودخل مفقود أثناء الدراسة بما يمكن أن يحصل عليه لاحقا من زيادة في الدخل وفرص
خلال حياته المهنية. وتستخدم منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مفاهيم مثل صافي العائد المالي للتعليم، ومعدل العائد الداخلي، ونسبة المنافع إلى التكاليف عند تقييم الاستثمار في المستويات المختلفة من التعليم.
من هنا، فإن السؤال الاقتصادي الصحيح ليس فقط: " كم تبلغ رسوم الساعة في هذا التخصص؟" وإنما: "ما الذي سيحصل الطالب عليه مقابل مجموع ما ستدفعه الأسرة وما سيستثمره هو من سنوات عمره؟". فقد يكون برنامج جامعي منخفض الرسوم أكثر كلفة في النهاية إذا قاد خريجه إلى سنوات طويلة من البطالة، بينما قد يكون برنامج آخر أعلى كلفة لكنه يمنح صاحبه مهارات مطلوبة وفرصاً أسرع للعمل ودخلاً أفضل وإمكانات أكبر للتطور المهني. ولهذا فإن كلفة
الحقيقية لا تقاس بما ندفعه للجامعة فقط، وإنما بما يمكن أن نسميه "العائد من التعليم" خلال سنوات العمر الفعال.
من الأخطاء التي ترسخت لعقود الاعتقاد بأن الحصول على شهادة جامعية يعني تلقائيا الانتقال إلى وظيفة مستقرة، وأن المشكلة الوحيدة هي الوصول إلى الجامعة والحصول على الشهادة. وقد كان هذا التصور أقرب إلى الواقع في مراحل سابقة عندما كان عدد
والخريجين أقل، وحينما كان
العام يتوسع ويستوعب أعدادا أكبر من حملة المؤهلات الجامعية. لكن المعادلة تغيرت الآن؛ فقد توسع
بصورة كبيرة، وأصبحت الشهادة الجامعية أكثر انتشارا، بينما لم تنمُ الوظائف النوعية بالنسبة نفسها. وفي
تحديدا، لا يمكن مناقشة اقتصاديات
بمعزل عن واقع سوق العمل، ومعدل البطالة.
لا تكمن المشكلة في
بحد ذاته، بل في الافتراض أن أي
جامعي، وأي تخصص، وفي أي جامعة، سيؤدي إلى النتيجة الاقتصادية نفسها. لكن الواقع مختلف تماما، فهناك تخصصات ترتفع فيها احتمالات التشغيل، وأخرى يتخرج منها سنويا أضعاف ما يستطيع السوق استيعابه؛ وهناك برامج تمنح الطالب مهارات عملية واضحة، وأخرى يبقى فيها الجانب النظري طاغيا؛ وهناك تخصصات تفتح أمام الخريج أسواقا محلية وإقليمية ودولية، وأخرى ترتبط بسوق ضيق للغاية. ولهذا أصبح السؤال
ليس فقط "هل أحصل على شهادة جامعية؟" وإنما: " أي شهادة؟ ومن أين؟ وبأي مهارات ؟ ولأي سوق عمل؟".
إحدى القضايا المركزية في اقتصاديات
هي ما يعرف بـ "عدم المواءمة بين المؤهلات والوظائف". فقد يحصل الفرد على درجة جامعية، لكنه يعمل في وظيفة لا تحتاج إلى تخصصه، أو لا تستفيد من المهارات التي درسها، أو تتطلب مستوى تأهيل مختلفا. وهنا تظهر الخسارة الاقتصادية بصورة أكثر وضوحا. فعندما يدرس شخص أربع سنوات تخصصا معينا ثم يعمل في مجال مختلف كليا لا يحتاج فيه إلى ما درسه، لا تكون المشكلة فردية فقط؛ بل هناك موارد أنفقتها الأسرة والدولة والجامعة، ووقت وجهد استثمرهما الطالب، لم تحقق العائد الممكن منها. لذلك فإن القضية ليست في أن يكون لدينا عدد كبير من الجامعيين، وإنما في أن تكون لدينا قوة بشرية متعلمة متسلحة بالمعارف والمهارات التي يحتاجها الاقتصاد.
كثير من الطلبة ينظرون إلى التخصص باعتباره قراراً يتعلق بالسنوات الأربع المقبلة فقط، بينما هو في الحقيقة قرار قد يمتد أثره أربعين عاماً (أي سنوات العمر الفعال منذ التخرج والالتحاق بالوظيفة). فالطالب الذي يدخل الجامعة في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة قد يبقى في سوق
حتى الستين أو أكثر. لذلك فإن الفرق بين تخصص يتيح مساراً مهنياً متطوراً وآخر ذي فرص محدودة لا يقاس بالراتب الأول بعد التخرج، وإنما بالدخل التراكمي، وفرص الترقية والتطور، والعمل في بيئة دولية، وريادة الأعمال على مدى عقود. ومن هنا فإن الفارق الاقتصادي بين قرار تعليمي جيد وآخر ضعيف يمكن، خلال الحياة المهنية للفرد، أن يكون أكبر بكثير من مجموع الرسوم التي دفعتها الأسرة للجامعة. وهذا هو جوهر التفكير الاقتصادي في التعليم: "لا تنظر فقط إلى تكلفة الدراسة اليوم، بل أنظر إلى النتائج المحتملة لهذا الاستثمار بعد عشر سنوات وعشرين وثلاثين سنة".
واقتصاديات
لا تعني أن نبحث كل عام عن قائمة بعنوان "أفضل عشرة تخصصات" ثم ندفع جميع أبنائنا إليها. فهذا التفكير قد يعيد إنتاج المشكلة نفسها. فإذا قيل
إن تخصصاً معيناً مطلوب، واتجه إليه عشرات الآلاف، فقد يصبح بعد سنوات قليلة مشبعاً. وبالتالي، فإن اقتصاديات
لا تعتمد على قراءة الحاضر فقط، وإنما على "استشراف المستقبل". فالطالب الذي يبدأ دراسته الجامعية في عام 2026 لن يدخل سوق
بصورة كاملة إلا في عام 2030 تقريباً، وربما يعمل حتى ستينيات هذا القرن. ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح ليس: "ما الوظائف المطلوبة
فقط؟" بل: "ما المهارات والقطاعات التي يتوقع أن تنمو خلال العقود المقبلة؟".
تبعا لذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه
هو: "لماذا يختار بعض الطلبة تخصصات لا يحتاجها السوق؟". هناك عوامل اجتماعية وثقافية عديدة تتحكم في اختيار التخصص أكثر مما تتحكم فيه الحسابات الاقتصادية. ومن هذه العوامل: (1) ثقافة المكانة الاجتماعية؛ إذ ما زالت بعض الأسر تنظر إلى مجموعة محدودة من التخصصات باعتبارها أعلى مكانة من غيرها، بصرف النظر عن تغير سوق
(2) سلطة معدل الثانوية العامة؛ إذ يتعامل بعض الطلبة مع المعدل وكأنه أمر يصدر إليهم بالتخصص الذي يجب أن يدرسوه. فإذا كان المعدل مرتفعاً شعر الطالب بأنه "يجب" أن يدخل تخصصاً معيناً حتى لو لم يكن راغباً فيه أو مناسباً لقدراته (3) التقليد الاجتماعي؛ ابن فلان درس التخصص الفلاني ونجح، وبالتالي يجب أن يدرسه ابني. لكن يجب أنْ ندرك ظروف الأسواق تتغير، وما نجح قبل خمسة عشر عاماً قد لا يكون الخيار الأفضل
(4) الاعتقاد بأن الوظيفة الحكومية هي الوجهة الطبيعية للخريج. وهذه ثقافة تحتاج إلى مراجعة جوهرية؛ فالاقتصاد الحديث يتطلب توجيه التفكير نحو
الخاص، والعمل الحر، وريادة الأعمال، والعمل عن بعد، والأسواق الإقليمية والدولية، لا انتظار شاغر حكومي قد لا يأتي (5) بعض الأسر تنفق وقتاً طويلاً في المقارنة بين
والرسوم والسكن، لكنها لا تخصص وقتاً كافياً لدراسة السوق الذي سيواجهه الطالب بعد التخرج.
لا شك في أن لأولياء الأمور دور أساسي في توجيه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
