لم تعد المنافسة في سوق الذكاء الاصطناعي تقتصر على تطوير نماذج أكثر قوة أو زيادة قدراتها على تنفيذ المهام، بل أصبحت تمتد إلى سؤال أكثر بساطة وأهمية في الوقت نفسه: هل يستطيع المستخدم العادي فهم المنتج واستخدامه بسهولة؟ فمع تسارع الشركات في إطلاق ميزات جديدة، تظهر مشكلة اقتصادية وتسويقية متنامية تتمثل في تضخم العلامات التجارية والأسماء داخل التطبيق الواحد، الأمر الذي قد يرفع كلفة جذب المستخدمين والاحتفاظ بهم، حتى عندما تكون التكنولوجيا نفسها متقدمة.
وتبرز هذه المشكلة بوضوح في تطبيق «جيميني» من «غوغل»، حيث يشير إعلان الشركة عن ميزات صوتية جديدة في «جيميني لايف» إلى أن المستخدم لا ينبغي أن يضطر إلى تخمين ما إذا كانت مهمته تتطلب استخدام سبارك أو ديلي بريف أو البحث السريع في البريد الوارد. لكن هذه الرسالة تكشف مفارقة واضحة: فغوغل نفسها منحت عدداً كبيراً من وظائف الذكاء الاصطناعي أسماءً وعلامات منفصلة، ما يجعل البنية الداخلية للمنتج أكثر ظهوراً أمام المستهلك.
«إنفيديا» تحطم الأرقام.. فمن يهدد عرش الذكاء الاصطناعي؟
تعدد الأسماء يُربك تجربة المستخدم
يتيح تطبيق «جيميني» التنقل بين الدردشة وسبارك وديلي بريف، ولكل منها رمز ومكان خاص في واجهة التطبيق.
وبدلاً من تقديم تجربة موحدة، قد يؤدي هذا التقسيم إلى زيادة التعقيد وإجبار المستخدم على التفكير في نوع الخدمة التي يحتاج إليها قبل أن يبدأ طلبه.
اقتصادياً، تمثل هذه المشكلة شكلاً من تكلفة الاحتكاك. فكل خطوة إضافية يحتاج المستخدم إلى فهمها أو كل اسم جديد يتعين عليه تذكره قد يقلل من سرعة الاستخدام، ويضعف معدلات التفاعل. وفي سوق تعتمد قيمته على الاستخدام المتكرر، تصبح البساطة عاملاً تجارياً لا يقل أهمية عن قوة النموذج نفسه.
وتقدم «ديلي بريف» مثالاً على ذلك، فهي تعمل كأجندة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تقدم تحديثات شخصية واستباقية اعتماداً على بيانات من خدمات مثل جيميل والتقويم. إلا أن المشكلة تكمن بأن هذه التحديثات قد لا تميز دائماً بين المعلومات العاجلة والقابلة للتنفيذ وبين تذكيرات أو اقتراحات غير مرغوب فيها، مثل إعادة التذكير بموضوع سبق للمستخدم البحث عنه أو مواصلة بحث بدأه سابقاً.
وهنا تظهر أيضاً كلفة أخرى هي كلفة الثقة. فعندما يشعر المستخدم بأن الذكاء الاصطناعي يعيد إحياء عمليات بحث شخصية لا يرغب في تذكّرها، فقد تتحول ميزة التخصيص من أداة مفيدة إلى تجربة مزعجة.
«ميتا» تطلق نموذج الذكاء الاصطناعي «ميوز سبارك 1.1»
«سبارك» يثير تساؤلات
في المقابل، تبدو «سبارك» من أكثر جوانب «جيميني» فائدة، إذ تعمل كوكيل ذكاء اصطناعي قادر على تنفيذ إجراءات نيابة عن المستخدم. غير أن تقديمها كعلامة مستقلة قد يكون غير ضروري من منظور المستهلك.
فالمستخدم لا يحتاج إلى معرفة الفريق الداخلي المسؤول عن التقنية أو التفكير في الجانب الذي يجب الانتقال إليه داخل التطبيق. النموذج المثالي هو أن يكتب طلبه ببساطة، ثم يتولى النظام تحديد ما إذا كانت المهمة تحتاج إلى وكيل قادر على تنفيذ إجراءات.
وهذا التحول من منتج مقسم إلى وظائف نحو واجهة تفهم النية قد يمثل المرحلة التالية اقتصادياً في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فالقيمة الحقيقية لا تأتي من إكثار الأسماء التجارية، بل من إخفاء التعقيد التقني خلف تجربة استخدام واحدة.
بيل غيتس يحذر من تهديدات الذكاء الاصطناعي للوظائف والحياة البشرية
مشكلة عامة بين التطبيقات
ولا تقتصر هذه الأزمة على «غوغل». فالعديد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي تطلب من المستخدم اختيار نمط التفاعل أو تعلم أسماء مختلفة لوظائف متعددة. وهذا يعكس، إلى حد كبير، طريقة تفكير هندسية يتم فيها كشف بنية المنتج الداخلية للمستهلك بدلاً من إخفائها.
وتظهر المقارنة مع نهج «أبل» أهمية هذا العامل. فبدلاً من مطالبة المستخدم بتعلم واجهة جديدة بالكامل، يمكن جعل الأدوات التي يستخدمها بالفعل، مثل: البحث، والصور، والكاميرا، والأوامر الصاوتية، أكثر ذكاءً. ومن الناحية الاقتصادية، يساعد هذا النهج على تقليل كلفة التعلم والاستفادة من قاعدة المستخدمين الحالية.
الرسائل النصية قد تكون الواجهة الأكثر ربحية
كما يفسّر هذا المنطق صعود خدمات الذكاء الاصطناعي القائمة على الرسائل النصية، حيث يتواصل المستخدم مع مساعد رقمي كما لو كان يتحدث إلى جهة اتصال عادية. فالرسائل واجهة مألوفة ولا تتطلب جهداً ذهنياً لمعرفة أي ميزة يجب فتحها.
وفي النهاية، قد تكون المعركة المقبلة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي أقل ارتباطاً بعدد الميزات التي تطلقها الشركات، وأكثر ارتباطاً بقدرتها على إخفاء هذا التعقيد. فالمستهلك لا يريد دراسة هندسة التطبيق، بل يريد أن يطلب ما يحتاج إليه ويحصل على النتيجة. والشركة التي تنجح في جعل التكنولوجيا القوية تبدو بسيطة وغير مرئية قد تملك أفضلية حاسمة في سوق يزداد ازدحاماً.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
