بكين تتحاشى غضب واشنطن.. هل تسد روسيا فجوة النفط الإيراني؟

دفعت العقوبات الأميركية على إيران واضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز الصين إلى زيادة مشترياتها من الخام الروسي، في تحول يمنح موسكو فرصة للاستحواذ على حصة أكبر من أكبر سوق مستوردة للنفط في العالم، لكنه يرفع تكلفة البراميل البديلة على المصافي الصينية.

يضع هذا التحول الصين أمام معادلة أكثر تعقيداً، بين مخاطر مواصلة شراء النفط الإيراني تحت ضغط العقوبات الأميركية، وارتفاع تكلفة الخام الروسي الذي أصبح البديل الأسرع أمام المصافي.

أدى ذلك إلى قفزة في علاوات خام «إسبو» الروسي من أقصى الشرق للتسليم إلى الصين في نوفمبر إلى مستويات قياسية، بعدما كثفت شركات التكرير الصينية مشترياتها مع تقلص الإمدادات الإيرانية، لتكشف حركة الأسعار عن إعادة رسم متسارعة لمسارات النفط المتجهة إلى آسيا.

النفط على أعتاب 100 دولار.. ماذا لو اشتعل التصعيد أكثر؟

علاوة قياسية

تجاوزت علاوة شحنات «إسبو» المقرر تسليمها في نهاية أكتوبر ونوفمبر 7 دولارات للبرميل فوق خام برنت في بورصة «إنتركونتيننتال»، فيما وصلت بعض العروض إلى مستوى قياسي يبلغ 10 دولارات للبرميل على أساس التسليم إلى الصين.

وقاد عملاق التكرير الحكومي الصيني «سينوبك» موجة الشراء، مع بحث المصافي عن إمدادات بديلة، بينما بيعت معظم شحنات «إسبو» المقرر تحميلها في نوفمبر قبل موعدها بفترة طويلة.

كما زادت «سينوبك» مشترياتها من النفط الروسي منذ يوليو، وحجزت ما بين 10 و15 شحنة شهرياً بما يصل إلى نحو 353 ألف برميل يومياً، ما كثف المنافسة على الخام الروسي وضغط بصورة خاصة على المصافي الصينية المستقلة التي تواجه بدائل أكثر تكلفة.

ورصدت «إس آند بي غلوبال» ارتفاع علاوة «إسبو» إلى ما بين 3 و3.5 دولار للبرميل فوق برنت للتسليم إلى شاندونغ في يونيو، بعدما تحول الخام الروسي إلى بديل متزايد الأهمية للمصافي الصينية، قبل أن تدفع موجة الشراء الأخيرة العلاوات إلى مستويات قياسية.

الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب في معبد السماء في بكين يوم 14 مايو 2026

إيران تفقد المشتري

استحوذت الصين على نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية، وفق وزارة الخزانة الأميركية، فيما اشترت مصافي التكرير المستقلة المعروفة باسم «تي بوت» الحصة الأكبر من هذه البراميل، ما جعل السوق الصيني الشريان الرئيسي لصادرات طهران النفطية.

وأظهرت بيانات «كبلر» تراجع واردات الصين من الخام الإيراني إلى نحو 534 ألف برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بمتوسط 1.4 مليون برميل يومياً خلال 2025، بعدما قلصت القيود الأميركية وتوقف جانب من حركة الشحن قدرة طهران على إيصال النفط إلى أكبر مشترٍ لها.

قال كبير محللي النفط لدى «إينرجي أسبكتس»، سون جيانان، إن محدودية توافر الخام الإيراني دفعت مصافي «تي بوت» الصينية إلى البحث عن إمدادات تتجاوز روسيا وإيران، مع توجه بعضها إلى خام «لابا» البرازيلي و«البصرة» العراقي لتعويض النقص.

عقوبات إيران تختبر بنوك الصين.. هل تفشل حملة «المنبوذ الاقتصادي»؟

المصافي تحت العقوبات

صعدت واشنطن ضغوطها مباشرة على المشترين الصينيين منذ 2025، وفرضت عقوبات على مصافٍ مستقلة وشركات وناقلات شاركت في شراء النفط الإيراني أو نقله، في محاولة لرفع تكلفة استمرار الصين في استيعاب البراميل الخاضعة للعقوبات.

كذلك فرضت وزارة الخزانة الأميركية في أبريل عقوبات على مصفاة «هنغلي» الصينية، ثاني أكبر مصافي «تي بوت»، بعدما قالت إنها اشترت منتجات نفطية إيرانية بمليارات الدولارات، بالتزامن مع استهداف نحو 40 شركة شحن وسفينة مرتبطة بنقل النفط والبتروكيماويات الإيرانية.

استهدفت واشنطن قبل ذلك مصافي صينية أخرى، بينها «شاندونغ شنغشينغ كيميكال»، ضمن حملة قالت وزارة الخزانة إنها تستهدف المنشآت التي توفر لطهران منفذاً إلى أكبر سوق لخامها.

العقوبات الثانوية

حذرت وزارة الخزانة الأميركية المؤسسات المالية من مخاطر التعامل مع مصافي «تي بوت» التي تستورد الخام الإيراني، ودعتها إلى تشديد إجراءات التدقيق على المعاملات المرتبطة بالمصافي الموجودة خصوصاً في مقاطعة شاندونغ.

وأكدت الوزارة استمرار مخاطر العقوبات الثانوية على المؤسسات المالية الأجنبية التي تقدم خدمات لأنشطة إيرانية خاضعة للعقوبات، ما يوسع دائرة المخاطر من المصفاة التي تشتري البرميل إلى البنوك وشركات الشحن والوسطاء المشاركين في تمويل الصفقة ونقل الخام.

كما أظهرت العقوبات على «هنغلي» اتساع التأثير إلى ما يتجاوز شراء النفط، بعدما تعطلت بعض تعاملات الشركة الخارجية وأغلقت ذراعها التجارية في سنغافورة، فيما حافظت المصفاة على عملياتها عبر زيادة الاعتماد على المعاملات باليوان والسوق المحلية.

أكبر هجوم مالي أميركي في التاريخ.. هل ترضخ طهران وتغضب بكين؟

روسيا تملأ الفراغ

أظهر «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف» ارتفاع تفريغ الخام الروسي المنقول بحراً في الصين 28% على أساس شهري خلال يوليو، ليصبح أعلى 16% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي، فيما ارتفعت حصة روسيا من واردات الصين البحرية إلى 25% مقابل 13% في يوليو 2025.

واستحوذ خام «إسبو» على 74% من الخام الروسي المنقول بحراً والمفرغ في الصين خلال يوليو، ارتفاعاً من 62% في يونيو، ما يعكس الدور المتزايد للخام القادم من أقصى الشرق الروسي في تغطية احتياجات المصافي الصينية.

إلى ذلك عززت المسافة القصيرة بين ميناء كوزمينو الروسي والموانئ الصينية جاذبية «إسبو»، في وقت تواجه فيه الشحنات القادمة من الشرق الأوسط مخاطر أكبر، بينما تحتاج البراميل القادمة من البرازيل وكندا وغرب إفريقيا إلى رحلات أطول وتكاليف نقل أعلى.

الرئيس الصيني شي جين بينغ والرئيس الأميركي دونالد ترامب أثناء مأدبة رسمية في قاعة الشعب الكبرى في بكين يوم 14 مايو 2026

البديل له حدود

خفضت «ريستاد إينرجي» توقعاتها لإنتاج روسيا من الخام في 2026 إلى متوسط 8.95 مليون برميل يومياً، مع تزايد تأثير العقوبات والهجمات على المصافي والموانئ والناقلات، متوقعة تراجع الإنتاج إلى نحو 8.6 مليون برميل يومياً في 2027.

حذرت المؤسسة من محدودية قدرة روسيا على استيعاب مزيد من اضطرابات الإمدادات، مع ارتفاع المخاطر التي تواجه الصادرات البحرية وتراجع المرونة المتاحة لزيادة الإنتاج، ما يضع سقفاً لقدرة موسكو على تعويض أي فقد ممتد للبراميل الإيرانية.

ودفعت المنافسة على الإمدادات علاوة «إسبو» إلى أكثر من 7 دولارات فوق برنت ووصول بعض العروض إلى 10 دولارات، ما يقلص تدريجياً الميزة السعرية للخام الروسي أمام المصافي الصينية رغم تفوقه اللوجيستي.

عقوبات «يوم النصر» الأميركية.. هل تكسر شوكة إيران دون استفزاز الصين؟

ثمن الابتعاد

اضطرت المصافي الصينية المستقلة إلى دفع أسعار أعلى للحصول على البدائل، إذ وصلت تكلفة بعض البراميل القادمة من البرازيل وكندا والعراق إلى نحو 8 دولارات للبرميل فوق برنت، مقارنة بالخصومات التي اعتادت الحصول عليها عند شراء الخام الإيراني.

وحذر كبير محللي النفط لدى «إنرجي أسبكتس»، سون جيانان، من أن شح الإمدادات الإيرانية يدفع المصافي الصينية إلى توسيع دائرة البحث عن الخام، ما يزيد المنافسة على البراميل الروسية وغيرها من البدائل المتاحة.

كما تواجه المصافي المستقلة ضغطاً إضافياً على هوامش التكرير مع ارتفاع تكلفة الخام، في حين تتمتع الشركات الحكومية الكبرى مثل «سينوبك» بقدرة أكبر على تأمين الشحنات وتنويع مصادر الإمدادات.

«خرج» في مرمى ترامب والناقلات تحت النار.. النفط حول مستويات 100 دولار

إلى أين؟

تظهر بيانات «إس آند بي غلوبال» و«مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف» أن الخام الروسي حصل بالفعل على حصة أكبر داخل السوق الصينية مع تقلص البراميل الإيرانية، لكن ارتفاع علاوات «إسبو» يرفع تدريجياً تكلفة هذا التحول ويعيد فتح الباب أمام إمدادات العراق والبرازيل وكندا.

وترى «ريستاد إينرجي» أن القيود التي تواجه الإنتاج والصادرات الروسية تحد من قدرة موسكو على زيادة الإمدادات بلا سقف، فيما تؤكد «إينرجي أسبكتس» اتساع بحث المصافي الصينية عن مصادر تتجاوز روسيا وإيران.

توقع محللو «إينرجي أسبكتس» ان استمرار الضغط الأميركي على صادرات طهران يقود إلى إعادة توزيع مشتريات الصين بين مجموعة أوسع من الموردين بدلاً من استبدال البرميل الإيراني بالروسي بالكامل.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ ساعتين
منذ 6 ساعات
منذ 11 ساعة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ 16 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 13 ساعة
موقع نمـازون الإقتصادي منذ ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 15 ساعة
إرم بزنس منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 49 دقيقة
قناة CNBC عربية منذ ساعتين