في كتابه المؤسس «سيينغ لايك إيستيت» (عين الدولة) طرح أستاذنا جيمس سي. سكوت مفهوم «الماتيس» (Metis)، وهي كلمة يونانية قديمة تشير إلى نوع من المعرفة العملية التي لا تأتي من الكتب أو المخططات، بل من المعاشرة الطويلة للأشياء والناس والبيئة؛ معرفة الراعي بقطيعه، والفلاح بأرضه، والصياد بالنهر، والعامل بالماكينة التي يسمع صوتها كل يوم، فيعرف من تغيّر نبرتها أن هناك خطأ ما.
الماتيس، بهذا المعنى، ليس نقيض العلم، وليس دعوة رومانسية للعودة إلى الماضي وتجاهل ما هو حديث، بل تنبيه إلى حدود المعرفة المجردة حين تنفصل عن المكان والخبرة. وظني أن هذه واحدة من مشاكلنا الأساسية في قصة التعريب والتغريب. فالمهندس الذي تعلم في الغرب يعرف الماكينة من خلال التصميم، لكن العامل الذي عاش معها عشرين عاماً في سياقها المحلي يعرف الماكينة من تغيّر صوت خافت؛ أين دخل الطين، وأي جزء يحتاج إلى إصلاح. الفكرة هي أن المهندس يمتلك معرفة قابلة للتعميم، أما الممارس المحلي فيعرف ما ليس مكتوباً في «الكتالوج».
ومن هنا تأتي أهمية فكرة الماتيس في إعادة طرح سؤال التنمية في عالمنا العربي. فقد تعاملنا طويلاً مع التنمية باعتبارها «بلو برنت»؛ أي مخططاً جاهزاً يمكن نقله من مكان نجح فيه إلى مكان آخر: جامعة أميركية في دولة عربية، أو مدينة أوروبية على الخليج، نظام إداري فرنسي في قرية مصرية، نموذج زراعي هولندي في بيئة مختلفة في الماء والتربة والعلاقات الاجتماعية. ودائماً نفكر أن المشكلة في مجتمعاتنا التي لا تشبه النموذج، وبالتالي فإن العلاج هو مطابقة الواقع المحلي مع المكتوب على الورق. لكن ماذا لو كان السؤال معكوساً؟ ماذا لو لم تكن المشكلة دائماً في الواقع الذي يرفض الخطة، بل في الخطة التي لا تعرف الواقع، أو أن منفذها لديه معرفة محدودة عن الواقع؟
هنا يصبح «الماتيس» مفهوماً سياسياً وتنموياً بالغ الأهمية. فكل مجتمع يمتلك مخزوناً من المعرفة المحلية المتراكمة: كيف يوزع الماء، وكيف يتعامل مع الجفاف، وكيف يبني في الحر، وكيف ينظم السوق، وكيف يحل النزاعات الصغيرة قبل وصولها إلى الدولة. هذه المعرفة قد لا تكون مكتوبة، وقد تبدو أمام الخبير القادم من الخارج غير علمية أو غير منظمة، لكنها في الحقيقة حصيلة مئات السنين من التجارب.
المشكلة تبدأ عندما ترى الدولة أو المؤسسة الدولية الواقع الاجتماعي المحلي من أعلى. من المكتب تبدو الأرض خطوطاً ومساحات، والسكان أرقاماً، والقرية وحدة إدارية،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
