أعاد تعطل خط أنابيب «شرق غرب» السعودي وضع أمن إمدادات النفط في صدارة اهتمامات الأسواق، بعدما خرج مؤقتاً أحد أهم المسارات التي اعتمدت عليها السعودية لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز ونقل الخام إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
ولا يتعلق الخطر بقدرة السعودية على إنتاج النفط، بقدر ما يرتبط بقدرتها على نقله وإيصاله إلى المشترين، خصوصاً مع تزامن تعطل الخط مع تصاعد المخاطر قرب باب المندب، ما يضع طرق التصدير الشرقية والغربية تحت الضغط في الوقت نفسه.
وينقل الخط نحو 4 ملايين برميل يومياً في الظروف الحالية، فيما تصل طاقته القصوى إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً. وبحسب رويترز، تكفي كميات الخام المتاحة في ينبع للمحافظة على الصادرات لمدة تتراوح بين 5 و7 أيام، بينما تتباين تقديرات مدة الإصلاح بين استئناف جزئي قريب واحتمال امتداد الأعمال عدة أسابيع.
النفط يواصل الصعود بعد إغلاق السعودية خط أنابيب حيوياً
شبكة تخزين داخلية وخارجية
يرى خبير الطاقة والمدير السابق لقسم معلومات الطاقة في منظمة «أوبك» فؤاد الزاير أن السعودية تمتلك شبكة تخزين واسعة تمنحها مرونة مهمة في إدارة الأزمة، ولا تقتصر هذه الشبكة على الموانئ الواقعة داخل المملكة.
وقال الزاير لـ«إرم بزنس» إن الطاقة التقديرية لتخزين النفط الخام في مراكز التصدير السعودية تبلغ نحو 35 مليون برميل في ينبع، إلى جانب طاقة تخزينية كبيرة في رأس تنورة على ساحل الخليج العربي.
وتتوسع مرونة السعودية عبر مرافق خارجية، إذ أشار إلى وجود طاقة تخزينية في مصر تبلغ نحو 18 مليون برميل في العين السخنة ونحو 20 مليون برميل عند سيدي كرير على البحر المتوسط، ما يسمح باستمرار تحميل بعض الشحنات لفترة محدودة حتى مع تعطل التدفقات القادمة من خط الشرق الغرب.
وتدير أرامكو أيضاً مرافق تخزين دولية، خصوصاً في أسواق آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية. كما تدرس الشركة توسيع نطاق شبكتها العالمية للتخزين في الأسواق الرئيسة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وهي خطط تحدث عنها رئيس مجلس إدارة أرامكو ياسر الرميان خلال قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار: الأولوية أوروبا» في روما.
وأوضح الزاير أن هذه المرافق مجتمعة تمنح السعودية قدرة على امتصاص أثر التعطل مؤقتاً، لكنها لا تمثل بديلاً دائماً عن استعادة تشغيل الخط، لأن المخزون يعوض التدفقات لفترة محدودة ولا ينشئ طريقاً جديداً للتصدير.
الإنتاج متاح لكن التصدير هو التحدي
يفرق الزاير بين امتلاك طاقة إنتاجية فائضة والقدرة الفعلية على إيصال النفط إلى المشترين. فزيادة الإنتاج لا تحل الأزمة إذا كانت خطوط الأنابيب والموانئ والممرات البحرية غير قادرة على تمرير الكميات الإضافية.
وقال إن دول «أوبك»، والسعودية بصورة خاصة، استثمرت مبالغ كبيرة في بناء منظومة متكاملة للإنتاج والتخزين والتصدير، يشكل الاحتفاظ بطاقة إضافية يمكن تشغيلها عند الضرورة أحد مكوناتها الأساسية.
وقدر الزاير الطاقة الإنتاجية الفائضة المتاحة للسعودية بنحو 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً، موضحاً أن السعودية تحتفظ بالحصة الأكبر من الطاقة الفائضة الموثوقة عالمياً، وتستخدمها للمساهمة في موازنة الأسواق عند وقوع الحروب أو الكوارث الطبيعية أو الانقطاعات المفاجئة.
وتعرّف إدارة معلومات الطاقة الأميركية الطاقة الإنتاجية الفائضة بأنها إنتاج يمكن تشغيله خلال 30 يوماً والاستمرار فيه لمدة 90 يوماً على الأقل. لكن فعالية هذه الطاقة تبقى مشروطة بوجود وسائل آمنة لنقل البراميل الإضافية إلى الأسواق.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر بعدما تراجع إنتاج السعودية بصورة حادة خلال الأشهر الماضية. وأبلغت المملكة «أوبك» أن إنتاجها انخفض إلى نحو 6.2 مليون برميل يومياً في أغسطس، مقارنة بـ10.9 مليون قبل اندلاع الحرب في فبراير، وفقاً لرويترز.
هل يحتاج الخليج إلى شبكة أنابيب مشتركة؟
يتوقع الزاير أن تدفع الأزمة دول الخليج إلى إعادة تقييم مستوى التعاون في البنية التحتية للطاقة، بما يشمل دراسة إنشاء شبكة إقليمية مترابطة من خطوط الأنابيب والموانئ ومرافق التخزين.
وأضاف أن تقليل الاعتماد على مضيق هرمز أصبح هدفاً أكثر إلحاحاً، لكن إنشاء خطوط جديدة يواجه تكاليف مرتفعة وتعقيدات سياسية وفنية، فضلاً عن حاجة هذه المشاريع إلى سنوات قبل دخولها مرحلة التشغيل.
وسلطت التطورات الأخيرة الضوء مجدداً على الأهمية الاستراتيجية لخط الشرق الغرب، الذي يمتد لنحو 1200 كيلومتر، ويربط منشآت النفط في المنطقة الشرقية بمدينة ينبع، ما أتاح للمملكة تحويل ملايين البراميل يومياً بعيداً عن هرمز.
ولا يعتقد الزاير أن الأزمة ستؤدي إلى انقلاب كامل ودائم في خريطة الاستثمارات الخليجية، لأن دول المنطقة واجهت أزمات مشابهة سابقاً. لكنه يرجح أن تستفيد الحكومات والشركات من التجربة لتحسين الخطط الاستراتيجية، وزيادة مرونة البنية التحتية، ومعالجة نقاط الاختناق في الإنتاج والتخزين والتصدير.
المخزونات تؤجل النقص ولا تلغيه
من جانبه، قال خبير الطاقة وضاح الطه في تصريحات لـ إرم بزنس٬ إن إنشاء خط الشرق الغرب عام 1981، في أعقاب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، يعكس نظرة سعودية مبكرة إلى مخاطر الاعتماد على هرمز، مشيراً إلى أن طاقته رُفعت من نحو 5 ملايين إلى 7 ملايين برميل يومياً.
ويرى الطه أن خبرة أرامكو في التعامل مع الهجمات السابقة وإصلاح المنشآت النفطية قد تساعدها على استعادة الضخ جزئياً خلال فترة قصيرة، بينما تستطيع المخزونات السعودية في الداخل والخارج احتواء الأثر خلال الأيام الأولى.
لكنه حذر من أن استمرار التوقف فترة أطول سيؤدي إلى نقص ملموس في التدفقات ويرفع أسعار النفط، موضحاً أن وصول الأسعار إلى نطاق بين 110 و120 دولاراً سيبدأ بإظهار آثار أوسع على الاقتصادات المستوردة والمنتجة معاً.
فالمنتجون قد يستفيدون من ارتفاع سعر البرميل، لكنهم سيواجهون في المقابل تضخماً مستورداً عبر زيادة أسعار الغذاء والمعدات والسلع والخدمات التي يشترونها من الخارج.
وأضاف الطه أن كبار المستهلكين، مثل الولايات المتحدة والصين والهند، قد يلجؤون إلى إطلاق جزء من احتياطياتهم الاستراتيجية إذا استمر ارتفاع الأسعار، فيما تمتلك اليابان وكوريا الجنوبية ترتيبات تخزين واتفاقات مع شركات خليجية تساعدها على الحد من أثر أي انقطاع قصير.
علاوة المخاطر قد تدفع النفط إلى 150 دولاراً
أما رئيس قسم الأسواق العالمية في «سيدرا ماركتس» جو يرق، فقال إن سوق النفط كانت تسعّر علاوة مخاطر تتراوح بين 6 و8 دولارات للبرميل، لكنها قد ترتفع إلى نحو 10 دولارات إذا استمرت الاضطرابات واتسع نطاقها.
وأوضح في تصريحات لـ إرم بزنس أن خط الشرق الغرب كان واحداً من المسارات القليلة التي خففت أثر تراجع الصادرات عبر هرمز، إلى جانب الصادرات الإماراتية الخارجة من الفجيرة، ولذلك فإن تعطله يزيد حساسية السوق لأي نقص جديد.
ويرى يرق أن الاعتماد على المخزونات الاستراتيجية ساعد في كبح الأسعار خلال المراحل الأولى من الأزمة، إلا أن انخفاض مستويات هذه المخزونات قد يعيد المنافسة بين الدول على الشحنات المتاحة.
وأضاف أن استمرار الأزمة حتى نهاية العام، بالتزامن مع ارتفاع الطلب الشتوي وتراجع مخزونات النفط والديزل، قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى بكثير، مع عدم استبعاده اقتراب النفط من 150 دولاراً إذا لم يظهر حل جذري للصراع في الشرق الأوسط أو تهدئة على جبهة روسيا وأوكرانيا.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
