مع صدور قانون الإدارة المحلية الجديد رقم (16) لسنة 2026 ونشره في الجريدة الرسمية، واقتراب دخوله حيز النفاذ في الثلث الأول من
تشرين
من العام الحالي، ينصرف جانب كبير من النقاش العام إلى قضايا الانتخابات التمثيلية: من سيترشح؟ ومن سننتخب؟ وكيف تتشكل المجالس المحلية؟ وهي دون شك أسئلة مشروعة ومهمة تتصل بشرعية التمثيل، غير أنها لا تختزل وحدها مفهوم المشاركة الشعبية في إدارة الشأن المحلي؛ فالديمقراطية المحلية لا تقاس فقط بكيفية انتخاب المجالس، وإنما أيضا بمدى قدرة المواطن على المشاركة المستمرة في صناعة القرارات التي تمس تفاصيل حياته اليومية.
فالديمقراطية بمعناها الحديث لا تتوقف عند تمكين المواطن من اختيار من يمثله مرة كل أربع سنوات، وإنما تمتد إلى إيجاد قنوات مؤسسية تتيح له المشاركة في تحديد احتياجات منطقته، وترتيب أولوياتها، وإبداء
في المشاريع والخدمات التي تمس حياته اليومية، وهنا يظهر مفهوم الديمقراطية التشاركية بوصفه مكملا للديمقراطية التمثيلية وليس بديلا عنها.
تظهر أهمية هذا المفهوم بصورة أوضح في الإدارة المحلية، حيث يفترض أن تكون المسافة بين المواطن ومتخذ القرار أقصر منها على المستوى الوطني الكلي.
فالشارع والحديقة والنقل والنظافة والتنظيم والمرافق العامة ليست قضايا مجردة، بل تفاصيل حياتية يعيشها المواطن بشكل يومي، ويمتلك بشأنها معرفة محلية قد لا تتوافر بالدرجة ذاتها لدى الإدارة المركزية. ومن هذه الزاوية، يستحق قانون الإدارة المحلية الجديد التوقف عنده، ليس فقط بسبب التغييرات التي أدخلها على بنية الإدارة المحلية، وإنما أيضا بسبب ما تضمنه من توجه نحو تعزيز المشاركة المجتمعية، ومن أبرز أدواتها لجان الأحياء.
لم ينظر قانون الإدارة المحلية إلى لجان الأحياء باعتبارها تجمعات اجتماعية فحسب، وإنما ربطها بالمشاركة المجتمعية والتواصل مع البلدية والمساهمة في تحديد الاحتياجات المحلية، حيث أعطت المادة (31) من قانون الإدارة المحلية دورا مهما في إعداد دليل الاحتياجات بالتنسيق مع المجتمع المحلي ولجان الأحياء، وأحالت تنظيم تشكيل هذه اللجان ومهامها وآلية اختيار أعضائها إلى تعليمات تصدر لهذه الغاية.
وهذا تطور مهم فالتخطيط المحلي الفاعل يفترض أن يبدأ من الأسفل إلى الأعلى، أي من الحي والمنطقة وصولا إلى البلدية والمحافظة، وليس العكس، فالسكان هم الأقدر على تحديد الاختناقات المرورية في منطقتهم، أو الحاجة إلى حديقة أو مرفق عام، أو أولوية صيانة شارع على إنشاء مشروع آخر.
وبهذا المعنى تستطيع لجان الأحياء إذا أحسن تصميمها أن تتحول إلى حلقة مؤسسية تربط المواطن بالمجلس البلدي والإدارة التنفيذية، وأن تنقل العلاقة بين الطرفين من نموذج يقوم على طلب الخدمة إلى نموذج أكثر تقدما يقوم على المشاركة في تحديد الأولوية.
أما في العاصمة، فقد سبق قانون أمانة
رقم (18) لسنة 2021 قانون الإدارة المحلية الجديد في الإشارة إلى الأحياء وإن كان من منظور مختلف، فقد منح القانون في المادة (11)
الأمانة صلاحية تشكيل لجان تطوعية خيرية للأحياء لتعزيز دور المواطنة، إلى جانب ما تضمنه من توجهات لمشاركة المجتمعات المحلية في برامج التنمية المستدامة. لكن المقارنة بين القانونين تكشف اختلافا يستحق النظر؛ فقانون أمانة
ينطلق في صياغته من مفهوم
التطوعي والخيري وتعزيز المواطنة، بينما يتجه قانون الإدارة المحلية الجديد بصورة أوضح نحو توظيف لجان الأحياء كإحدى أدوات المشاركة المجتمعية في الشأن المحلي.
وهنا تبرز فرصة مهمة أمام أمانة عمان؛ فالعاصمة بحجمها السكاني واتساعها الجغرافي وتنوعها الاقتصادي والاجتماعي، ربما تكون الأكثر حاجة إلى نموذج متقدم للديمقراطية التشاركية، إذ تختلف الأولويات بين منطقة وأخرى بل وبين حي وآخر داخل
ذاتها؛ فما تحتاجه أحياء شرق
(القويسمة مثلا) يختلف بالقطع عما تحتاجه أحياء غربها (دابوق مثلا)، ومن الصعب على أي مؤسسة مركزية، مهما بلغت كفاءتها، أن تلتقط وحدها كل هذه الاحتياجات والتباينات وترتبها بالدرجة نفسها من الدقة.
إن تفعيل لجان الأحياء في أمانة
والبلديات لا يعني إنشاء طبقة إدارية جديدة أو هياكل بيروقراطية موازية للمجالس المنتخبة، فالمطلوب هو العكس تماما استنادا إلى هياكل مرنة تساعد.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
