لا تبدأ القيمة الاقتصادية للنفايات عند مصنع إعادة التدوير، بل منذ لحظة جمعها وفرزها. عبوة الألمنيوم المستعملة، والهاتف القديم، والإطار التالف، وبقايا الطعام، وحتى مخلفات البناء، يمكن أن تعود إلى الاقتصاد في صورة مواد أولية أو منتجات جديدة أو طاقة.
هذا التحوّل هو جوهر الاقتصاد الدائري الذي يسعى إلى إبقاء المنتجات والمواد قيد الاستخدام أطول مدة ممكنة، بدلاً من استخراج الموارد وتصنيعها ثم التخلص منها. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، باتت إعادة التدوير جزءاً من منظومة اقتصادية تشمل شركات جمع النفايات، ومرافق الفرز والمعالجة، والمصانع، ومنتجي الطاقة، وشركات التكنولوجيا التي تتعقب حركة المواد.
اعتمدت الإمارات في كانون الثاني/يناير 2021 سياسة الاقتصاد الدائري 2021-2031، ثم أقرت في آذار/مارس 2023 أجندة الاقتصاد الدائري 2031، التي تضم 22 سياسة موزعة على أربعة قطاعات: التصنيع والغذاء والبنية التحتية والنقل.
ولا تقتصر هذه السياسات على إعادة تدوير النفايات بعد إنتاجها، بل تشمل تصميم منتجات تدوم فترة أطول، وتشجيع إصلاحها وإعادة استخدامها، ورفع كفاءة استهلاك المواد، وإدخال المواد المسترجعة مجدداً في سلاسل الإنتاج.
ويمنح هذا التوجه القطاع الخاص مساحة واسعة للعمل؛ كل مادة يجري استرجاعها تحتاج إلى جمع ونقل وفرز ومعالجة، ثم إلى مشترٍ صناعي يستطيع تحويلها إلى منتج جديد.
أبوظبي تستخرج القيمة من النفايات
في أبوظبي، تدير مجموعة "تدوير" منظومة تمتد عبر سلسلة إدارة النفايات، من الجمع والفرز إلى المعالجة واسترجاع المواد والطاقة. وفي منشآت استرداد المواد، تُفصَل مكونات مثل البلاستيك والمعادن والورق والزجاج، قبل إعدادها للعودة إلى الاستخدام الصناعي.
ووفق تقرير الاستدامة الصادر عن المجموعة، ارتفع معدل تحويل النفايات بعيداً من المكبات إلى 37.7 في المئة خلال عام 2025. ويعني ذلك أن نسبة متزايدة من المخلفات وجدت طريقها إلى المعالجة أو استرجاع المواد والطاقة بدلاً من الطمر.
وفي تموز/يوليو 2025، أُعلِن استحواذ "تدوير" على حصة "مصدر" في محطة الشارقة لتحويل النفايات إلى طاقة، بما يجعلها شريكة لمجموعة "بيئة" في الشركة المالكة والمشغلة للمشروع. وتعكس الصفقة اتساع دور شركات إدارة النفايات الإماراتية من تقديم الخدمات البلدية إلى الاستثمار في الأصول والتكنولوجيا والطاقة.
الشارقة تبني منظومة متكاملة
طورت مجموعة "بيئة" في الشارقة مرافق لمعالجة أنواع متعددة من النفايات، تشمل المواد القابلة للتدوير ومخلفات البناء والإطارات والمركبات والنفايات الصناعية والتجارية.
وفي نيسان/أبريل 2026، أعلنت المجموعة أن محطة الشارقة لتحويل النفايات إلى طاقة عالجت مليون طن منذ بدء تشغيلها. كذلك ثمة خطط لمضاعفة قدرتها الكهربائية من 30 إلى 60 ميغاواط، بالتوازي مع رفع قدرتها على معالجة النفايات التي يصعب تدويرها.
ومن المهم هنا التمييز بين إعادة التدوير واسترداد الطاقة. تعيد إعادة التدوير المادة نفسها إلى دورة الإنتاج، بينما يُستخدَم الجزء الذي لا يمكن تدويره لإنتاج الكهرباء بدلاً من إرساله إلى المكب. ويتكامل المساران، لكنهما ليسا النشاط نفسه.
وتعمل دبي بدورها على توسيع البنية المخصصة لفرز النفايات ومعالجة مخلفات البناء والمواد الإلكترونية والبلاستيك والمعادن. وإلى جانبها، يؤدي مركز دبي لمعالجة النفايات في ورسان دوراً في استرداد الطاقة من المخلفات غير القابلة لإعادة التدوير.
عامل يعمل في مصنع لإعادة التدور (وام) الألمنيوم والإلكترونيات فرصتان صناعيتان
يمثّل الألمنيوم أحد أبرز المجالات الاقتصادية لإعادة التدوير، إذ يمكن استخدامه مرات متعددة، فيما يوفر تدويره جزءاً كبيراً من الطاقة اللازمة لإنتاج المعدن الأولي. ولهذا أطلقت شركة الإمارات العالمية للألمنيوم، بالتعاون مع جهات محلية، "تحالف الإمارات لإعادة تدوير الألمنيوم"، بهدف تحسين جمع العلب والخردة وزيادة معالجتها داخل الدولة.
وتتسع الفرصة أيضاً في النفايات الإلكترونية، التي تحتوي على النحاس والألمنيوم والبلاستيك ومعادن أخرى قابلة للاسترجاع. ومع ارتفاع استخدام الهواتف والحواسيب والأجهزة المنزلية، تصبح هذه النفايات مورداً صناعياً يحتاج إلى منشآت متخصصة وتكنولوجيا آمنة للفصل والمعالجة.
تكمن القيمة الاقتصادية لإعادة التدوير في قدرتها على توفير مواد للمصانع، وتقليل الحاجة إلى بعض الخامات المستوردة، وخلق أعمال في النقل والفرز والتصنيع والتكنولوجيا. كذلك تفتح المجال أمام شركات ناشئة تعمل في الحاويات الذكية، وتتبع المواد، ومنصات جمع النفايات، وإعادة بيع المنتجات وتجديدها.
وهكذا، لا يعود نجاح القطاع مرتبطاً بكمية النفايات التي تُجمَع فقط، بل بحجم المواد التي تستعيد قيمتها وتعود إلى السوق. كل عبوة أو جهاز أو قطعة معدن تدخل دورة إنتاج جديدة تمثل مورداً بقي داخل الاقتصاد، بدلاً من أن ينتهي في المكب.
هذا المحتوى مقدم من عيش الإمارات
