كتب - د. معن علي المقابلة
لم يكن خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب دبلوماسي تقليدي يعيد التأكيد على ثوابت الأردن تجاه القضية الفلسطينية، بل جاء أكثر حدة ووضوحاً في توصيف ما يجري في غزة والضفة الغربية، وفي تحميل الكيان الصهيوني والمجتمع الدولي مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة.
منذ بداية الخطاب، اختار الملك أن يبني فكرته الأساسية حول مفهوم "الانتباه" باعتباره ليس مجرد مسألة إعلامية أو إنسانية، وإنما مورداً سياسياً وجيوسياسياً. فالمشكلة، وفق هذا الطرح، ليست أن العالم لا يعرف ما يحدث، وإنما أن الاهتمام الدولي يتبدل، وأن أزمات معينة يمكن أن تتراجع إلى الهامش بينما تستمر وقائع خطيرة في فرض نفسها على الأرض.
ومن هنا جاءت لهجة الملك تجاه غزة والضفة الغربية أكثر مباشرة من الخطاب الدبلوماسي المعتاد.
في غزة، لم يتوقف الخطاب عند وصف المعاناة الإنسانية أو المطالبة بوقف الحرب، بل انتقل إلى توصيف ما يجري باعتباره محاولة لفرض واقع جديد على الأرض. أما في الضفة الغربية، فقد ارتفع مستوى الحدة بصورة أكبر، عندما أعاد الملك تعريف مجموعة من الممارسات الصهيونية بلغة سياسية وقانونية صريحة.
فهو لم يقبل وصف هدم المنازل وتوسيع المستوطنات بأنه مجرد "تنفيذ للقانون" وإنما وصفه بالترحيل القسري. ولم يتعامل مع الاستيلاء على الأراضي باعتباره مجرد إجراء إداري، بل وصفه بأنه ضم فعلي. كما وصف منظومة الحواجز ونقاط التفتيش بأنها منظومة قمعية، قبل أن يطرح السؤال الأكثر إحراجاً: هل ما يجري فعلاً ينسجم مع صورة الدولة الديمقراطية التي يحكمها القانون؟
هذه اللغة تكشف أن الخطاب لم يعد يتعامل مع التطورات في الضفة الغربية باعتبارها مجرد "تصعيد" يمكن احتواؤه، بل باعتبارها مساراً متدرجاً لتغيير الواقع السياسي والجغرافي.
والأكثر أهمية أن الملك ربط بين غزة والضفة الغربية، ورفض التعامل معهما كأزمتين منفصلتين. فالتدمير في غزة، والاستيطان ومصادرة الأراضي في الضفة الغربية، وفق منطق الخطاب، يصبان في نتيجة واحدة: جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أكثر صعوبة.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أكثر الرسائل السياسية وضوحاً في الخطاب. فالأردن لا ينظر إلى ما يجري في الضفة الغربية باعتباره شأناً فلسطينياً داخلياً أو مجرد خلاف إسرائيلي فلسطيني، وإنما يراه جزءاً من تطور إقليمي قد تكون له تداعيات مباشرة على أمن المملكة.
من فلسطين إلى الأمن الوطني الأردني
هذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن الخطاب لم يحصر اهتمامه في غزة والضفة الغربية. فقد ربط الملك التطورات في المنطقة بحرب إيران، وبالوضع في سوريا، وبأمن الحدود والمياه، ليقدم صورة لمنطقة أصبحت فيها الملفات مترابطة بصورة يصعب معها فصل الأمن الفلسطيني عن الأمن الإقليمي وهذا بالضبط كان هدف الطوفان.
وفي هذا السياق، كان حديثه عن سوريا مهماً بالنسبة للأردن، عندما أكد أن أي تهديد للحدود الشمالية أو للأمن المائي الأردني يمثل تهديداً للأمن القومي.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه، بعد كل هذه اللهجة السياسية والقانونية، هو: ماذا بعد الخطاب؟
فالكلمات القوية أمام الجمعية العامة قد تؤسس لموقف سياسي واضح، لكنها لا تكفي وحدها إذا تحولت التطورات على الأرض إلى وقائع جديدة تمس المصالح الأردنية مباشرة.
لكي يكون للخطاب «أسنان»
هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من قوة الخطاب إلى قوة الموقف.
والمقصود بـ"الأسنان" ليس بالضرورة الذهاب إلى مواجهة عسكرية أو فتح جبهة جديدة، بل امتلاك الأردن مجموعة من أدوات الردع والوقاية السياسية والأمنية والدبلوماسية التي تجعل أي توسع للكيان في الضفة الغربية، إذا وصل إلى مستوى يهدد الأردن، أمراً لا يمكن التعامل معه باعتباره تطوراً فلسطينياً محضاً.
فإذا استمرت عمليات مصادرة الأراضي والتوسع الاستيطاني والتهجير، وإذا تطورت إلى إجراءات تدفع باتجاه تغيير واسع في التركيبة الجغرافية أو السكانية للضفة الغربية، فإن الأردن سيكون أمام واقع مختلف؛ لأن أي موجة تهجير واسعة باتجاه الشرق لن تكون مجرد أزمة إنسانية فلسطينية، وإنما ستتحول إلى قضية تمس الأمن الوطني الأردني.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من جو ٢٤
