يشدد لبنان قبضته على نشاط الصرافة غير المرخصة، في محاولة لضبط قطاع مالي يواجه ضغوطاً متزايدة منذ إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي في أكتوبر 2024، ثم على القائمة الأوروبية للدول عالية المخاطر في يوليو 2025، والتي جرى تجديدها في يونيو الماضي.
لكن تشديد قواعد الصرافة لا يكفي وحده لمعالجة الأسباب التي أبقت لبنان على القائمتين، وفق خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«إرم بزنس»، مؤكدين أن الخروج منهما يتطلب إصلاحات مصرفية وقانونية أوسع لم تكتمل بعد، وإلا بقيت الإجراءات الجديدة محدودة الأثر.
يأتي ذلك فيما لا تزال تداعيات الأزمة المالية التي تفجرت بقوة في 2019 تضغط على الاقتصاد اللبناني، في وقت رجّح فيه وزير المالية ياسين جابر انكماش الاقتصاد بين 7 و10% خلال 2026 بسبب المواجهات بين حزب الله وإسرائيل، مع احتمال بلوغ الأضرار نحو 20 مليار دولار.
«النقد الدولي» يرجح انكماشاً حاداً للاقتصاد اللبناني في 2026
تشديد مصرفي جديد على شركات الصرافة اللبنانية
بحث وفد من «صندوق النقد الدولي» مع الرئيس اللبناني جوزيف عون، في بيروت مسار إعادة هيكلة القطاع المصرفي ومشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، بحسب بيان صادر عن الرئاسة اللبنانية في 19 سبتمبر الجاري، فيما دعا بيان للصندوق إلى استكمال إعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وفي 18 أغسطس الماضي، رفع مصرف لبنان الحد الأدنى لرأسمال مؤسسات الصرافة من الفئة «أ» إلى 25 مليار ليرة (نحو 279 ألف دولار)، ومن الفئة «ب» إلى 10 مليارات ليرة، في خطوة تستهدف تشديد ضوابط الترخيص وممارسة النشاط، وتنظيم هيكلية المؤسسات، وتعزيز متطلبات الامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.
يبلغ عدد المؤسسات المرخصة في مايو الماضي نحو 291 مؤسسة، بينها 47 من الفئة أ، و244 من الفئة ب، فيما يبلغ رأس المال الأكثر شيوعاً في الفئة الأولى نحو 750 مليون ليرة، مقابل 250 مليوناً في الفئة الثانية، وهو ما يعني عملياً مضاعفة رأس مالها للفئة الأول ما يقارب من 34 مرة، ونظيرتها من الفئة الثانية 40 مرة.
وشدّد التعميم على قواعد معرفة العميل والتدقيق والرقابة الداخلية، والإفصاح عن أسعار الصرف، وحفظ السجلات، ووضع قيود صارمة على التحويلات غير الرسمية للأموال، والتعامل مع الأصول الافتراضية، والعمليات التي قد ترتبط بتبييض الأموال أو تمويل الإرهاب.
مقر مصرف لبنان المركزي في العاصمة بيروت يوم 25 أغسطس 2023
ويمنح التعميم مصرف لبنان صلاحيات رقابية وعقابية واسعة، تصل إلى فرض غرامات مالية تبدأ من 500 مليون ليرة عن المخالفة الواحدة، وشطب مؤسسة الصرافة من اللائحة في حالات محددة.
في يونيو 2025، أدرجت المفوضية الأوروبية، لبنان، على قائمة الدول «عالية المخاطر» والتي تعني وجود ثغرات في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بعد إضافة بيروت إلى «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي (FATF)، وهي هيئة رقابية عالمية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في 25 أكتوبر 2024.
وأفادت بعثة الاتحاد الأوروبي في يونيو 2025 بأن قرار بروكسل يعود إلى قرار اتخذ في أكتوبر 2024، نتيجة لإدراج لبنان على قائمة مجموعة العمل المالي ولا يعكس أداء الحكومة اللبنانية الحالية.
وقبل نحو أسبوع من صدور تلك التشديدات المصرفية، أقر مجلس النواب اللبناني تعديلات القانون المتعلق بإصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها.
للخروج من اللائحة الرمادية.. لبنان يتعاون مع شركة استشارات أميركية
الحل يبدأ من تقليص اقتصاد الكاش لا من التشدد وحده
مدير المعهد اللبناني لدراسات السوق، باتريك مارديني، أوضح لـ«إرم بزنس»، أن فرض التشريعات الرقابية وتضييق الخناق على شركات الصرافة وتحويل الأموال لن يحل مشكلة إدراج لبنان على «القائمة الرمادية» لمجموعة العمل المالي، نظراً لكون الاقتصاد النقدي (الكاش) يغطي النسبة الأكبر من التعاملات، وهو بطبيعته عصيٌّ على التتبع والضبط.
وقال «إن السبيل الوحيد لتخفيض مخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب والخروج من القائمة الرمادية يتطلب إقناع المواطنين طوعاً بإعادة تعاملاتهم الشرعية إلى أروقة القطاع المصرفي»، معتبراً أن الإجراءات القسرية من قبيل الدفع بالبطاقات المصرفية هي «جهود بلا مردود حقيقي».
ولفت مارديني إلى وجود مآخذ دولية حادة على السلطات اللبنانية تتصل بعدم تطبيق التشريعات والقوانين النافذة ومذكرات تجميد الأصول الصادرة بحق أفراد متورطين، مؤكداً أن تفعيل التعاون القضائي والمالي مع الجهات الدولية وتقليص حجم اقتصاد الكاش يعدان شرطين أساسيين لأي تعافٍ اقتصادي مرتقب.
لبنان.. سيولة جديدة تنعش القروض دون حل أزمة الودائع
القرارات الحالية غير كافية لتفادي اللائحة السوداء
يرى الباحث الاقتصادي وخبير المخاطر المصرفية في لبنان، محمد فحيلي، أن القرارات والتعاميم الأخيرة الصادرة عن مصرف لبنان لإعادة رسم خريطة تراخيص شركات الصرافة برأس مال كبير تخاطب مخاطر محددة ومعترفاً بها، لكنها تظل «غير كافية» لتفادي مخاطر تصنيف لبنان على اللائحة السوداء.
وأوضح، لـ«إرم بزنس»، أن الأزمة البنيوية الحقيقية التي وضعت لبنان على اللائحة الرمادية لا تتصل بسلوك الصرافين المرخصين والمؤسسات النظامية فحسب، بل بحجم اقتصاد الظل والقطاع غير النظامي الذي تخدمه شبكات واسعة من الصرافين غير المرخصين.
وأشار إلى أن اقتصار فرض الشروط والضوابط على المؤسسات المرخص دون حملة موازية لملاحقة القطاع غير المرخص يرفع كلفة الالتزام على القطاع النظامي، ويحفز خروج بعض الشركات نحو السوق الموازية؛ مما يعقّد امتثال لبنان لتوجيهات مجموعة العمل المالي الدولية.
وبحسب فحيلي فإن القرارات الدولية الصادرة سواء إدراج لبنان على اللائحة الرمادية لمجموعة العمل المالي في أكتوبر 2024، أو إدراجه ضمن قائمة الاتحاد الأوروبي للدول عالية المخاطر في أغسطس 2025، وتجديد الإدراج في يونيو 2026 تثبت أن إعطاء المهل والأطر التشريعية النيابية الشكليّة لم يعد يقنع المجتمع الدولي.
وترتبط حظوظ لبنان في الخروج من دائرة المراقبة المعززة ترتبط بمدى قدرته على تطبيق تغييرات جذرية وملموسة على أرض الواقع، بدلاً من الاكتفاء بالتفاخر بقوانين تبقى حبراً على ورق، وفق فحيلي.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

