لم تعد قصاصات القماش المتبقية على أرضيات مصانع الملابس في المغرب مجرد نفايات ينبغي التخلص منها، بعدما أثبتت تجربة صناعية إمكانية إعادتها إلى خطوط الإنتاج وتحويلها إلى ألياف وأقمشة قابلة للاستخدام التجاري، في خطوة قد تساعد المملكة على بناء حلقات مفقودة في صناعة تعتمد بدرجة كبيرة على المواد المستوردة.
حوّلت تجربة قادتها «مؤسسة التمويل الدولية» (IFC) نحو 427 طناً من مخلفات قص النسيج إلى مواد تصنيع جديدة، مع الالتزام بإعادة تدوير 2400 طن إضافية، فيما اجتازت الأقمشة التي تحتوي على مواد معاد تدويرها اختبارات الجودة التجارية.
لكن القيمة الاقتصادية للتجربة تتجاوز التخلص من المخلفات. فالمغرب ينتج أكثر من 83 ألف طن من نفايات النسيج سنوياً، بينما يستورد أكثر من 80% من الأقمشة والخيوط التي تستخدمها الصناعة، وهذا يضع أمام القطاع فرصةً لتحويل جزء من مخلفاته إلى مادة خام محلية، ثم استخدامها في الغزل والنسيج قبل أن تعود إلى مصانع الملابس.
وتتسع الفرصة الاستثمارية إلى ما هو أبعد من إعادة التدوير. فقد قدّرت دراسة تشخيصية حديثة للقطاع الخاص أعدتها «مجموعة البنك الدولي» (World Bank Group) أن حزمة إصلاحات لتطوير صناعة النسيج منخفضة الكربون والمتكاملة يمكن أن تستقطب نحو 1.9 مليار دولار من الاستثمارات الخاصة، وتولد قرابة 30.8 ألف وظيفة مباشرة وغير مباشرة على المدى المتوسط.
ولا يخص هذا الرقم إعادة تدوير المخلفات وحدها، بل يشمل توسيع حلقات الإنتاج المحلية والاستفادة من إمكانات تصديرية غير مستغلة.
الأتمتة تهدد قطاعاً واعداً في المغرب.. هل تنجو آلاف الوظائف؟
حلقة مفقودة في هيكل الصناعة المغربية
تبدو المفارقة واضحة في هيكل الصناعة المغربية؛ فالمملكة تمتلك قاعدةً كبيرةً لصناعة الملابس وتستفيد من قربها الجغرافي من أوروبا، لكنها لا تزال تعتمد على الخارج في جزء أساسي من المدخلات.
وتشير دراسة «البنك الدولي» إلى أن نشاط القص والخياطة والتشطيب يمثل نحو 67% من صادرات القطاع، في مقابل قدرات محلية محدودة ومجزأة في إنتاج الخيوط والأقمشة. لذلك لا تعني إعادة التدوير إنشاء نشاط بيئي على هامش الصناعة بقدر ما يمكن أن توفر مدخلاً لبناء صناعة أولية محلية تغذي المصانع القائمة.
تبدأ السلسلة التي يختبرها المغرب بفصل قصاصات المصانع بحسب نوع الألياف، ثم جمعها ومعالجتها وتحويلها إلى ألياف معاد تدويرها، ومنها إلى خيوط وأقمشة تدخل مجدداً في صناعة الملابس.
وتكتسب هذه الحلقة أهميةً إضافيةً لأن إنتاج المواد الخام التقليدية محلياً يواجه قيوداً تتعلق بالمياه وتوافر المواد الأولية، بينما توفر مخلفات المصانع مورداً موجوداً بالفعل داخل البلاد.
وأظهرت اختبارات «مؤسسة التمويل الدولية» أن إدخال 20% من القطن المعاد تدويره في الأقمشة يمكن أن يخفض الأثر المناخي بنحو 18%، واستهلاك المياه بنحو 61% مقارنةً بالإنتاج التقليدي، دون أن يمنع المنتج النهائي من تحقيق معايير الجودة التجارية.
القواعد البيئية الأوروبية وتأثيرها على السوق المغربي
ترتبط هذه الصناعة ارتباطاً وثيقاً بأكبر أسواق المغرب، إذ تذهب 93% من صادرات النسيج المغربية إلى «الاتحاد الأوروبي» (EU)، وفق «مؤسسة التمويل الدولية»، ما يجعل القواعد البيئية الأوروبية عاملاً مباشراً في قدرة المصانع على الاحتفاظ بالعملاء والأسواق.
وتظهر بيانات «المفوضية الأوروبية» (European Commission) حجم هذه العلاقة؛ فقد استورد «الاتحاد الأوروبي» من المغرب منسوجات بقيمة 2.9 مليار يورو خلال 2025، بما يعادل 11.4% من إجمالي وارداته السلعية من المملكة.
في المقابل، تتحول الاستدامة تدريجياً من ميزة تسويقية إلى جزء من قواعد الدخول إلى السوق الأوروبي. فقد دخل تعديل توجيه النفايات الأوروبي حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، واضعاً قواعد مشتركة للمسؤولية الممتدة للمنتجين في قطاعي النسيج والأحذية، مع ربط الرسوم مستقبلاً بمعايير مثل الاستدامة وقابلية إعادة التدوير.
كما وضعت المفوضية المنسوجات ضمن القطاعات ذات الأولوية لتطبيق «جواز المنتج الرقمي»، الذي يتيح بيانات عن مكونات المنتج ومصدره وإمكانات إصلاحه وإعادة استخدامه وتدويره. ومن المخطط اعتماد المتطلبات القطاعية الخاصة بالمنسوجات في الربع الأخير من 2027، فيما أطلقت المفوضية سجل جواز المنتج الرقمي في يوليو 2026.
وبالنسبة إلى المصنع المغربي، يعني ذلك أن معرفة مصدر الألياف وكيفية التعامل مع المخلفات والقدرة على تتبع المادة عبر سلسلة الإنتاج قد تصبح جزءاً متزايد الأهمية من العلاقة مع المشترين الأوروبيين.
المغرب بين واشنطن وبكين.. هل يتحول التنافس التجاري إلى فرصة للرباط؟
من النفايات إلى مادة خام تحديات الاقتصاد الدائري
غير أن وجود أكثر من 83 ألف طن من المخلفات لا يعني تلقائياً وجود صناعة لإعادة التدوير. فالعقبة تبدأ قبل وصول القصاصات إلى آلات المعالجة.
وتصف دراسة «البنك الدولي» نظام الجمع الحالي بأنه غير منظم وضعيف الفرز، إذ يجمع بعض العاملين النسيج مع الورق والبلاستيك من دون تصنيف دقيق بحسب نوع الألياف، ما يقلل صلاحية المواد لإعادة التدوير من نسيج إلى نسيج. كما يعمل أكثر من 80% من جامعي مخلفات النسيج بصورة غير رسمية.
ولهذا تقترح «مؤسسة التمويل الدولية» إعادة تصنيف قصاصات المصانع باعتبارها منتجات صناعية ثانويةً بدل معاملتها كنفايات، وتعديل القواعد بما يسمح للعلامات التجارية بنقل ملكيتها إلى المصنعين المحليين، إلى جانب إنشاء منصة وطنية للتتبع والاستثمار في قدرات الغزل داخل المغرب.
وتحسم الحلقة الأخيرة جانباً مهماً من الجدوى الاقتصادية؛ فإنتاج ألياف معاد تدويرها محلياً يفقد جزءاً من قيمته إذا اضطرت المصانع إلى إرسالها إلى الخارج لتحويلها إلى خيوط، ثم استيرادها مجدداً. لذلك ترتبط جدوى الاقتصاد الدائري هنا بقدرة المغرب على توسيع نشاطه من صناعة الملابس إلى المراحل الأعلى قيمةً في السلسلة.
ومن هذه الزاوية، لا تمثل القصاصات وحدها فرصةً بقيمة 1.9 مليار دولار، لكنها قد تصبح أحد مفاتيح تحول أوسع: استخدام مورد كان يخرج من المصنع كنفايات لبناء قدرات محلية في التدوير والغزل والأقمشة، وتقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، وفي الوقت نفسه تجهيز الصناعة لقواعد السوق الذي يستقبل معظم صادراتها.
وإذا نجح هذا المسار، فلن تتحدد القيمة الاقتصادية للمخلفات المغربية بسعر الطن المعاد تدويره، بل بقدرتها على سد الحلقة المفقودة بين مصنع الملابس والمادة الخام التي يعتمد عليها.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
