تجارة الكربون.. عندما يصبح التلوث فرصة للاستثمار

لم يعد الكربون مجرد غاز تسعى الحكومات والشركات إلى خفض انبعاثاته، بل تحول، خلال السنوات الأخيرة، إلى أصل اقتصادي له سعر وأسواق، وعقود آجلة، ومستثمرون يراهنون على تحركاته، لتنشأ صناعة مالية متنامية تقوم على مبدأ بسيط: جعل التلوث مكلفاً، ومنح خفض الانبعاثات قيمة مالية يمكن تداولها.

ومع اتساع نطاق أنظمة تسعير الكربون عالمياً، أصبح بإمكان المستثمر الحصول على انكشاف على هذه السوق من خلال العقود الآجلة ومنتجات مالية مرتبطة بأسعار تصاريح الانبعاثات، فضلاً عن تمويل مشاريع توليد أرصدة الكربون.

وتكشف بيانات البنك الدولي عن حجم التحول، إذ بات التسعير المباشر للكربون يغطي أكثر من 29% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالمياً، عبر 87 سياسة مطبقة، فيما تجاوزت الإيرادات الحكومية الناتجة عن تسعير الكربون 107 مليارات دولار خلال 2025.

وبحسب تقرير «حالة واتجاهات تسعير الكربون 2026» الصادر عن البنك الدولي، يبلغ متوسط السعر عبر أنظمة التسعير المباشر المختلفة نحو 21 دولاراً للطن، أي نحو ضعف مستواه قبل عقد، لكن الأسعار تختلف بصورة كبيرة بين دولة وأخرى ونظام وآخر.

ما تجارة الكربون؟

تنقسم سوق الكربون بصورة أساسية إلى نوعين: أسواق إلزامية تنظمها الحكومات وتفرض على قطاعات وشركات محددة الالتزام بسقف للانبعاثات، وأسواق أرصدة كربون تستطيع فيها الشركات شراء أرصدة مرتبطة بمشروعات تخفض الانبعاثات أو تزيل ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي.

وفي أنظمة تداول الانبعاثات، تضع السلطات سقفاً لكمية الانبعاثات وتصدر تصاريح تمنح حاملها الحق في إطلاق كمية محددة من ثاني أكسيد الكربون أو ما يعادله.

وإذا احتاجت شركة إلى إطلاق انبعاثات تتجاوز ما تغطيه التصاريح التي بحوزتها، فإنها تحتاج إلى الحصول على تصاريح إضافية وفق قواعد النظام المعني. وفي المقابل، يؤدي خفض سقف الانبعاثات بمرور الوقت إلى زيادة الحافز الاقتصادي للشركات للاستثمار في تقنيات أقل تلويثاً.

ويعد نظام الاتحاد الأوروبي لتداول الانبعاثات من أبرز هذه الأسواق. ووفق بيانات بورصة إنتركونتيننتال إكستشينج «ICE»، يمنح كل تصريح أوروبي «EUA» الحق في انبعاث طن واحد من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، فيما يبلغ حجم العقد الآجل الواحد 1000 تصريح، أي ما يعادل 1000 طن.

الدول الأكثر تسبباً بانبعاثات الكربون من إنتاج الطاقة

كم يبلغ سعر طن الكربون؟

هنا تبدأ واحدة من أهم خصائص هذه السوق: لا يوجد سعر عالمي موحد للكربون. فالأسعار تختلف باختلاف الدولة ونظام التداول ونوعية الرصيد. ويحذّر البنك الدولي من المقارنة المباشرة بين أسعار أنظمة الكربون المختلفة، بسبب الاختلافات في القطاعات المشمولة، وقواعد الامتثال، والتعويضات.

ووفق أحدث بيانات البنك الدولي، يبلغ متوسط السعر المباشر للكربون عالمياً نحو 21 دولاراً للطن في 2026، بعدما تضاعف تقريباً مقارنة بنحو 10 دولارات قبل عقد.

لكن المتوسط العالمي يخفي تفاوتاً واسعاً بين الأسواق، خاصة أن تصاريح أنظمة التداول الإلزامية تختلف جذرياً عن أرصدة الكربون التي تولدها المشاريع.

وفي سوق الأرصدة الطوعية، تلعب الجودة دوراً متزايداً في تحديد السعر. ويشير البنك الدولي إلى أن أسعار أرصدة الكربون تراجعت بصورة طفيفة خلال 2025، لكن أرصدة بعض المشروعات حافظت على علاوة سعرية، خصوصاً أرصدة مشاريع حماية الغابات وإعادة التشجير الأعلى تصنيفاً.

وتظهر بيانات إم إس سي آي «MSCI» تفاوتاً أكبر في الأسعار وفق نوع المشروع وجودته، إذ يمكن تداول بعض الأرصدة بأقل من بضعة دولارات للطن، بينما تحصل مشاريع إزالة الكربون الأعلى جودة والأكثر ديمومة على أسعار أعلى بكثير.

ألمانيا تحرز تقدماً ضئيلاً في خفض الانبعاثات الكربونية خلال 2025

سوق بمئات المليارات مستقبلاً؟

ورغم أن سوق أرصدة الكربون لا تزال صغيرة مقارنة بأسواق الأسهم والسندات والسلع، فإن التدفقات المالية إليها تتسارع. ووفق تقديرات إم إس سي آي كربون ماركتس، بلغت قيمة السوق الأولية العالمية لأرصدة الكربون أكثر قليلاً من 1.4 مليار دولار خلال 2025، لكن المؤسسة تتوقع أن تتراوح قيمة السوق بين 5 و20 مليار دولار بحلول 2030، وأن تصل إلى نطاق يتراوح بين 60 و270 مليار دولار بحلول 2050، وفق سيناريوهات مختلفة للطلب والمعروض وجودة الأرصدة.

والأكثر لفتاً للانتباه أن الأموال الملتزم بها والمستثمرة في سوق أرصدة الكربون بلغت مستوى قياسياً قدره 22 مليار دولار خلال 2025، بزيادة 72% على أساس سنوي وأكثر من 5 أضعاف مستويات 2021، بحسب بيانات «إم إس سي آي».

لكن المؤسسة تشير إلى أن نمو الاستثمارات لا يعني بالضرورة ارتفاع الطلب الفوري بالمعدل نفسه، إذ ظل الطلب المقاس بالأرصدة المستخدمة نهائياً مستقراً إلى حد كبير، في الوقت الذي تسارعت فيه الاستثمارات والاتفاقات المرتبطة بالإمدادات المستقبلية.

كيف يمكن الاستثمار في الكربون؟

هناك عدة طرق للحصول على انكشاف استثماري على الكربون، تختلف في درجة تعقيدها ومخاطرها. الطريقة الأكثر مباشرة بالنسبة للمستثمر المحترف هي العقود الآجلة لتصاريح الانبعاثات. ووفق مواصفات العقود المنشورة من بورصة إنتركونتيننتال إكستشينج «ICE Endex»، يضم العقد الآجل لتصاريح الاتحاد الأوروبي 1000 تصريح، يمثل كل منها طناً واحداً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون.

وهناك أيضاً منتجات مالية مدرجة توفر انكشافاً على أسعار الكربون أو العقود الآجلة المرتبطة به، وهو ما يسمح للمستثمر بالمشاركة في تحركات السوق دون الدخول مباشرة في إجراءات امتلاك، وتسليم التصاريح.

أما الطريقة الثالثة فتتمثل في تمويل مشاريع أرصدة الكربون، مثل مشاريع التشجير واستعادة الغابات أو تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون، مقابل الحصول على أرصدة أو حقوق مرتبطة بالإنتاج المستقبلي.

وتشير «إم إس سي آي» إلى أن المشترين باتوا يستخدمون بصورة متزايدة اتفاقات طويلة الأجل لتأمين السعر والجودة مستقبلاً، فيما تتوسع فرص المستثمرين والبنوك ومطوري المشاريع مع تطور آليات التمويل في السوق.

الكربون في مواجهة الذهب

كأداة استثمار، يختلف الكربون بصورة جوهرية عن الذهب. فالذهب أصل مادي عالمي يستخدم كوسيلة لحفظ القيمة والتحوط، ويتأثر سعره بعوامل، مثل: أسعار الفائدة، والدولار، ومشتريات البنوك المركزية، والتوترات الاقتصادية، والجيوسياسية.

أما الكربون، فإن أحد أهم محركات قيمته هو القرار التنظيمي. وتوضح آلية نظام تداول الانبعاثات الأوروبي التي تنشرها المفوضية الأوروبية أن خفض سقف الانبعاثات يعني تناقص كمية التصاريح المتاحة تدريجياً، في إطار سعي الاتحاد الأوروبي إلى تحقيق أهدافه المناخية.

وبالتالي، إذا تقلصت كمية التصاريح مع استمرار حاجة الشركات إليها، يمكن أن يدعم ذلك الأسعار. والعكس صحيح إذا تراجع الطلب الصناعي أو تغيرت القواعد أو تدخلت السلطات في السوق.

هولندا تفتتح أكبر منشأة لالتقاط الكربون وتخزينه في أوروبا

وماذا عن النفط؟

ربما تكون المقارنة مع النفط أكثر إثارة للاهتمام، لأن الكربون والطاقة مرتبطان بصورة وثيقة. فارتفاع استهلاك الوقود الأحفوري يمكن أن يزيد احتياجات بعض الشركات إلى تصاريح الانبعاثات، بينما يؤثر التحول بين الفحم والغاز ومصادر الطاقة المتجددة في كمية الكربون التي تنتجها شركات الكهرباء والصناعة.

وتشير تحليلات «ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس» إلى الترابط الوثيق بين أسواق الكربون والطاقة، إذ يمكن لتحركات أسعار الغاز والفحم والكهرباء أن تؤثر في خيارات الوقود لدى شركات المرافق، وبالتالي في الطلب على تصاريح الانبعاثات.

لكن الفارق الأساس أن النفط سلعة مادية يحتاج إليها الاقتصاد للنقل والصناعة والطاقة، بينما تصريح الكربون يمثل حقاً تنظيمياً في إطلاق كمية محددة من الانبعاثات.

وهذا يجعل أسعار الكربون حساسة للنشاط الاقتصادي وأسعار الطاقة، ولكن أيضاً، وبدرجة أكبر من معظم السلع، للقرارات السياسية المتعلقة بالمناخ.

الولايات المتحدة تتصدر الزيادة العالمية في انبعاثات الكربون

أداة جديدة لتنويع المحافظ

من هنا، يمكن النظر إلى الكربون باعتباره أداة استثمار مختلفة يمكن استخدامها للحصول على انكشاف على اتجاه عالمي طويل الأجل نحو تسعير الانبعاثات، وليس بديلاً مباشراً للذهب أو الأسهم أو النفط.

وتدعم أرقام البنك الدولي فكرة اتساع نطاق هذه السوق، إذ ارتفعت نسبة الانبعاثات العالمية التي يغطيها سعر مباشر للكربون إلى أكثر من 29%، فيما تضاعف متوسط السعر تقريباً خلال العقد الماضي.

ويكمن الرهان الاستثماري طويل الأجل في أن استمرار خفض سقوف الانبعاثات وتوسيع نطاق القطاعات والدول التي تفرض سعراً على الكربون قد يجعل الحق في إطلاق الانبعاثات أكثر ندرة وقيمة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 18 دقيقة
منذ 32 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 13 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 16 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 6 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ 19 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 8 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 18 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 8 ساعات