قد يكون الرقم الأكثر إثارة في نتائج القبول الموحد هذا العام ليس عدد المقبولين، ولا حتى الحدود التنافسية التي تصدرت المشهد، وإنما تلك المسافة الصغيرة جداً التي باتت تفصل بين الطلبة عند قمة سلم المنافسة.
فحين تقترب المعدلات من الكمال، لا تعود أعشار العلامة فروقاً رقمية صغيرة؛ إذ يمكن أن تصبح فاصلاً بين جامعة وأخرى، أو بين تخصص وآخر، وربما بين مسار تعليمي تستطيع الأسرة تحمّل كلفته ومسار آخر يضيف إلى أعبائها.
ولهذا، فإن قراءة نتائج القبول الموحد لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال: كم طالباً قُبل؟ وأين توقفت الحدود التنافسية؟ فالأرقام، مهما بدت واضحة، لا تقول كل شيء. خلفها قصة عن طبيعة المنافسة، وعن معنى العلامة، وعن الطريقة التي نقيس بها تعلم أبنائنا، ثم نستخدم العلامة نفسها لترتيبهم.
وحسب الأرقام المعلنة، تقدم ٧١٬٠١٤ طالباً وطالبة إلى القبول الموحد هذا العام، رُشّح منهم ٤٦٬٣٥٥، أي نحو ٦٥٪ من المتقدمين، مقابل نحو ٦٢٪ في العام الماضي و٦٨٪ في العام الذي سبقه. كما حصل أكثر من ٥٦٪ من الطلبة المرشحين على أحد خياراتهم الخمسة الأولى، فيما بقي نحو ٣٥٪ من المتقدمين من دون ترشيح لأي من خياراتهم.
والرقم الأخير يستحق التروي قبل أن يتحول إلى حكم. فعدم ترشيح الطالب لا يعني أنه غير قادر على الدراسة الجامعية، وإنما يعني أنه، وفق ترتيب رغباته والحدود التنافسية وعدد المقاعد المتاحة، لم يصل إلى مقعد في الخيارات التي تقدم بها.
وبين الأمرين فرق لا ينبغي أن تغفله لغة الأرقام؛ لأن نتيجة القبول قد تحدد موقع الطالب في المنافسة، لكنها لا تختصر قدرته ولا مستقبله.
وهذا العام مختلف في سياقه عن الأعوام السابقة. فنحن أمام أول دفعة تتخرج في ظل نظام الثانوية العامة الجديد الذي وُزعت فيه الدراسة على عامين، مع اختلاف في توزيع العلامات وطبيعة المنافسة، إلى جانب تعدد مسارات القبول الجامعي. ولذلك فإن ما نراه اليوم عند بوابة الجامعة هو، في جانب منه، نتيجة لطريقة جديدة في الوصول إليها.
وعندما نصل إلى التخصصات الأعلى طلباً، تصبح المسألة أكثر حساسية. فقد بلغت الحدود التنافسية للطب هذا العام ٩٩٫٣ في الجامعة الأردنية، و٩٩٫٠ في جامعة العلوم والتكنولوجيا، و٩٨٫٤ في الجامعة الهاشمية، و٩٨٫١ في اليرموك، و٩٧٫٩ في البلقاء التطبيقية، و٩٧٫٦ في مؤتة، كما ارتفعت الحدود التنافسية في طب الأسنان والصيدلة ودكتور الصيدلة مقارنة بالعام السابق.
هذه الأرقام تقول إن المنافسة عند القمة أصبحت أكثر ضيقاً وحساسية، لكنها لا تقول وحدها إن مستوى التعلم ارتفع بالمقدار نفسه.
فالحد التنافسي ليس علامة مستقلة على مستوى الطالب، وإنما هو آخر نقطة يصل إليها ترتيب المتقدمين حين يكون الطلب على مقاعد تخصص ما أكبر من عدد المقاعد المتاحة.
ومع ارتفاع العلامات واقتراب أعداد أكبر من الطلبة من سقفها الأعلى، يصبح هذا الترتيب أكثر حساسية، وتصبح الأعشار قادرة على إحداث فارق يتجاوز بكثير حجمها الرقمي.
وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التوقف: ارتفاع العلامات شيء، وارتفاع مستوى التعلم شيء آخر.
لكن لفهم ما حدث عند بوابة القبول، علينا أن نعود خطوة إلى الوراء، إلى العلامة التي صنعت هذه المنافسة أصلًا.
فقد أشارت البيانات الرسمية هذا العام إلى أن توزيع المعدلات أظهر ارتفاعاً في مستوياتها مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، فيما بلغت نسبة النجاح العامة في الثانوية العامة ٦٥٫٣٪. وهذه الدفعة هي الأولى التي خاضت تجربة نظام الثانوية الجديد على عامين، وهو ما يجعل قراءة الأرقام بمعزل عن السياق الذي أنتجها قراءة ناقصة.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: ماذا تقول لنا هذه الزيادة في المعدلات؟
هل أصبح الطلبة أكثر تعلمًا بالفعل، أم أن التغير في طريقة توزيع العلامات أسهم في رفع المعدلات؟ وهل تستطيع العلامة، عندما تقترب من الكمال، أن تظل أداة دقيقة لقياس الفروق الحقيقية في المعرفة والمهارات؟ أم أنها تصبح، مع الوقت، أكثر دقة في ترتيب الطلبة من كونها أكثر دقة في قياس ما تعلموه؟
فالعلامة تؤدي وظيفتين مختلفتين. هي في المدرسة وسيلة لقياس أداء الطالب، لكنها عند القبول الجامعي تتحول إلى أداة لترتيبه بين الآخرين. وكلما ضاقت الفروق بين الطلبة، ازدادت حساسية هذه الأداة، وصار عليها أن تميّز بين فروق صغيرة جداً، ثم تبني عليها قرارات كبيرة.
وهنا لا تعود الأعشار مجرد أعشار.
فالفارق بين ٩٩٫٣ و٩٩٫٠ قد يكون صغيراً في الحساب، لكنه كبير في أثره على مسار الطالب. وقد يجد طالب نفسه، بسبب بضعة أعشار، أمام جامعة أو تخصص مختلف، أو أمام خيار تعليمي أكثر كلفة على أسرته.
وفي مجتمع تصبح فيه معدلات القبول في القمة شديدة الارتفاع، لا يعود السؤال عن أهمية التفوق، بل عن مدى قدرة هذه.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة أنباء سرايا الإخباريه
