تفتح التعديلات المقترحة على آليات الاكتتابات في السوق المالية السعودية نقاشا واسعا حول مستقبل سوق الطروحات الأولية، في ظل توجهات تستهدف رفع جودة التسعير، وتعزيز موثوقية بناء سجل الأوامر، والحد من الطلبات التي لا تعكس قدرة فعلية على السداد. ويرى مختصون أن التعديلات قد تعيد توزيع الأدوار والمخاطر بين أطراف عملية الطرح، خصوصا مع تعزيز التزامات متعهدي التغطية مع بدء بناء سجل الأوامر، ورفع متطلبات الإفصاح والملاءة المالية، فيما قد تفرض في المقابل تحديات إضافية على بعض الشركات، ولا سيما الصغيرة والمتوسطة.
يركز جانب من الآراء على أن التنظيمات الجديدة قد تعزز شفافية السوق وجودة الطروحات وتدفع نحو مزيد من الواقعية في التسعير، تبرز تساؤلات أخرى حول أثرها على حجم الطلبات، وقدرة الشركات الأصغر على استيفاء المتطلبات الجديدة.
رغم التطوير، لا يزال يرى الخبراء مجالا نحو استكمال المنظومة عبر تطوير آليات التقييم والتخصيص وفترات حظر كبار المساهمين.
في هذا السياق، يقدم خبراء اقتصاديون وماليون وقانونيون قراءاتهم لأبرز انعكاسات التعديلات وما يمكن أن تعنيه للجهات المصدرة والمستثمرين ومتعهدي التغطية.
حد من الشركات ذات الرؤية غير الواضحة يرى الخبير الاقتصادي محمد العنقري، أن التعديلات الجديدة على آليات الاكتتابات من شأنها الإسهام في رفع كفاءة السوق وتعزيز جودة الطروحات، مشيراً إلى أن استقرار سوق الطروحات الأولية لا يرتبط بالأنظمة وحدها، وإنما يتأثر أيضاً بالعوامل الاقتصادية وظروف القطاعات المختلفة. وأوضح أن تقييم أثر التعديلات على استقرار السوق يرتبط بدرجة أكبر بتطور الأطر التنظيمية، التي تشهد حالياً إصلاحات إيجابية، مع إمكانية ظهور حاجة إلى مزيد من الإضافات أو التعديلات مستقبلاً، بالتزامن مع تطورات صناعة أسواق المال. وفيما يتعلق بإمكانية الحد من الطلبات غير الجادة، أوضح أن الآلية الجديدة ستحد، بدرجة كبيرة، من دخول الشركات التي لا تملك رؤية واضحة أو يقيناً بشأن مستقبل نشاطها، خصوصاً على المدى المتوسط. وأضاف العنقري أن التعديلات ستسهم كذلك في رفع مستوى شفافية المعلومات والإفصاحات، الأمر الذي سيدفع مسؤولي الاكتتاب بمختلف أدوارهم إلى التأكد من جاذبية الشركات من حيث التقييم، إلى جانب وضوح نظرتها المستقبلية، بما يعزز قدرتها على جذب المستثمرين. وحول الطرف الذي سيتحمل المخاطر الأكبر في ظل التعديلات الجديدة، سواء المستثمر أو الشركة المصدرة أو متعهد التغطية، أشار إلى أن الآلية الجديدة تنقل جميع أطراف عملية الاكتتاب إلى مرحلة من الالتزام الكامل، بدلاً من التعامل معها في إطار متطلبات وإجراءات فقط. تركيز على نوعية الطروحات بدلا من حجمها وبيّن أن ذلك يعني عدم وجود طرف يتحمل المخاطر بصورة أكبر من الآخرين، سواء كان مدير الاكتتاب، أو متعهد التغطية، أو المستشار المالي أو مصدر الأسهم، مؤكداً في المقابل أن المخاطرة الاستثمارية تظل قائمة بالنسبة للمستثمر، الذي يتعين عليه الاستناد إلى معايير مهنية دقيقة عند اتخاذ قرار الاستثمار من عدمه. ويؤكد العنقري أن تطوير الآليات التنظيمية يستهدف توفير صورة أكثر وضوحاً ورفع مستويات الشفافية أمام المستثمرين، بما يمكنهم من اتخاذ قراراتهم الاستثمارية وفق المعلومات المتاحة وبما يتناسب مع معاييرهم الاستثمارية. وعن الأثر المحتمل للتعديلات على الشركات الراغبة في الطرح، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة مقارنة بالشركات الكبرى، توقع أن تقود الآلية الجديدة السوق نحو التركيز على نوعية الطروحات بدلاً من حجمها وعددها. وأشار إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد توجه الشركات التي لديها تصور واضح لمستقبل أعمالها، ووضوح بشأن قيمة أصولها، إلى جانب امتلاكها تقييماً مناسباً وقادراً على جذب المستثمرين، بما يعزز جودة الشركات المتقدمة للطرح ويرفع كفاءة سوق الاكتتابات. دعم استقرار السوق على المدى الطويل بدوره، قال المستشار المالي محمد الشميمري أن التعديلات الجديدة على آليات الاكتتابات من شأنها دعم استقرار السوق على المدى الطويل، مشيراً إلى أنها تعالج جانباً مهماً يتعلق بواقعية التسعير وتعزيز هامش الأمان للمستثمرين. وأوضح الشميمري أن البيانات التي أوردتها صحيفة «الاقتصادية»، التي تشير إلى تداول 76% من الشركات المدرجة خلال العامين الأخيرين دون سعر الطرح، تعكس ـ بحسب رؤيته ـ الحاجة إلى تعزيز آليات التسعير بما يحد من الفجوة بين سعر الطرح والسعر السوقي بعد الإدراج. وأشار إلى أن اشتراط توقيع اتفاقية التعهد بالتغطية قبل بدء عملية بناء سجل الأوامر ينقل دور متعهد التغطية من مجرد نقل الطلبات إلى تحمل التزام مالي فعلي في حال عدم تغطية الطرح، وهو ما يخلق، بحسب تقديره، حافزاً أكبر للوصول إلى تسعير واقعي منذ البداية. وفيما يتعلق بتأثير التعديلات على الطلبات غير الجادة وشهية المستثمرين، قال الشميمري إن الآلية الجديدة قد تحقق الأمرين في الوقت نفسه، معتبراً أن الحد من الطلبات غير المدعومة بسيولة حقيقية يمثل خطوة ضرورية لتحسين جودة سجلات الأوامر. التوازن ينتقل بصورة أكبر نحو متعهد التغطية وبيّن أن اشتراط وجود سيولة نقدية أو شبه نقدية يستهدف الطلبات التي قد تكون مبنية على تمويل هامشي أو تسهيلات مؤقتة لا تعكس بالضرورة قدرة شرائية فعلية، لافتاً إلى أن ذلك قد يؤدي في المقابل إلى انخفاض حجم الطلب الإجمالي المعلن في بعض الاكتتابات الكبرى. إلا أنه أشار إلى أن الطلب المتبقي سيكون، في هذه الحالة، أكثر تعبيراً عن الطلب الفعلي وأقرب إلى مستويات السعر العادل، بما قد يسهم في الحد من الفجوة بين أسعار الطرح والأسعار السوقية عقب الإدراج. وحول توزيع المخاطر بين المستثمر والشركة المصدرة ومتعهد التغطية بعد تطبيق التعديلات، رأى الشميمري أن التوازن ينتقل بصورة أكبر نحو متعهد التغطية. وأوضح أن متعهد التغطية، وفق الآلية الجديدة، يلتزم بشراء كامل الأسهم غير المغطاة، مشيراً إلى أن إدراج أسهم الشركة المصدرة لا يتم في حال ترتب على متعهد التغطية شراء أسهم نتيجة عدم الوفاء بالتزام التغطية، إلا بعد إتمام شراء كامل الطرح وفق المتطلبات ذات الصلة. وقال إن هذه الآلية تجعل متعهد التغطية طرفاً رئيسياً في ضمان جدية التسعير، باعتباره يتحمل التزاماً مالياً مباشراً، وهو ما يرفع أهمية قدرته على تقييم السعر العادل للطرح قبل عملية بناء سجل الأوامر. تحديات الشركات الصغيرة أكبر مقارنة بـ"الكبرى" وفي شأن انعكاسات التعديلات على الشركات التي تخطط للطرح، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، أشار الشميمري إلى أن هذه الفئة قد تواجه تحديات أكبر مقارنة بالشركات الكبرى. وأوضح أن الشركات الكبيرة تمتلك عادةً سجلاً أطول من الأداء، ما يجعل الإفصاح عن التوقعات المستقبلية لفترة عام أقل صعوبة نسبياً، كما قد تكون قدرة متعهدي التغطية على تحمل مخاطر الالتزام الكامل بالشراء أكبر في مثل هذه الطروحات. في المقابل، قد تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة، ولا سيما الشركات العائلية، تحديات إضافية في إعداد التوقعات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاقتصادية





