لم تبدأ رحلتنا إلى لندن كما خططنا لها. كنا على وشك الوصول إلى مطار هيثرو، فإذا بالرحلة تتحول إلى ميلان، ونقضي هناك يومًا كاملًا قبل أن نصل إلى لندن في اليوم التالي.
كانت بداية متعبة، لكن المفارقة أن هذا التعثر لم يكن أكثر ما بقي في ذاكرتي من الرحلة. ولا حتى الأماكن التي زرناها، على جمالها.
ما بقي فعلًا كان الناس.
خلال تنقلاتنا، وجدت نفسي في أحاديث طويلة مع عدد من السائقين، معظمها بدأ بسؤال عابر: من أين أنت؟ ثم يتحول المقعد الخلفي للسيارة إلى مساحة صغيرة نتحدث فيها عن الوطن والدين والأبناء والحروب والهجرة والمستقبل.
وكان لكل واحد منهم حكايته.
شمس.. الخوف على الأبناء
كان شمس بنغلاديشيًا، وأبًا لبنتين وولد. تحدث كثيرًا عن أبنائه، وعن حرصه على أن يتعلموا وألا يفقدوا هويتهم وهم يكبرون في المجتمع البريطاني.
يوصلهم إلى المدرسة، ويحرص على ذهابهم إلى المسجد وتحفيظ القرآن، وقد حفظوا قرابة أربعة أجزاء.
لم يكن حديثه تنظيرًا عن الهوية؛ كان حديث أب يمارسها كل يوم. فهو يريد لأبنائه أن ينجحوا في المجتمع الذي يعيشون فيه، وفي الوقت نفسه يخشى أن يأتي هذا النجاح على حساب دينهم وقيمهم وعاداتهم.
صورة مختلفة
ثم التقيت أحمد، هندي متعلم، معظم أفراد أسرته، ومنهم والدته، يعيشون في أمريكا، فيزور أمريكا أكثر مما يزور الهند.
كان حديثه مختلفًا. لم يكن قلقًا كقلق شمس، بل بدا أكثر اطمئنانًا إلى الحياة الإسلامية في بريطانيا، وتحدث بإيجابية عن المجتمع الذي يعيش فيه. من المعلومات التي فاجأتني قوله إن المنطقة المحيطة بكناري وارف تضم نحو 35 مسجدًا.
أعطاني حديثه زاوية أخرى: المسلم المهاجر ليس بالضرورة في صراع دائم بين هويته والمجتمع الجديد؛ فقد يستطيع أن يجد مساحة يعيش فيها الاثنين معًا.
زبيدة.. كشمير التي تسكنها
أما زبيدة فكانت قصتها أكثر تعقيدًا. أمها كشميرية، وأبوها إيراني، وزوجها أيضًا إيراني. وكانت تعمل مع زوجها في أوبر بطريقة لافتة؛ ست ساعات تقود هي، ثم ست ساعات يقود هو. أبناؤها كبروا وتعلموا، ومنهم الطبيب والمحاسب، ولذلك لم يكن قلقها الأساسي عليهم.
ما شدني فيها كان كشمير. كانت مرتبطة بها بقوة، بعاداتها وهويتها، وتحدثت بحماس عن الكشميريين وعن الانقسام بين الجانب الهندي والباكستاني، وعن تطلعها لأن تكون كشمير حرة.
كنت أستمع إليها وأفكر: كم يختلف أن تقرأ عن قضية سياسية، عن أن تسمعها من إنسان يشعر أنها جزء من هويته وتاريخ أسرته.
حسين.. إيران قبل الثورة
ومع حسين الإيراني كان الحديث مختلفًا تمامًا. فقد رافقنا يومًا كاملًا في إحدى رحلاتنا خارج لندن، فأعطانا طول الوقت فرصة لحوار أعمق. كان شديد الانتقاد لما حدث في إيران بعد الثورة وللحكومة الحالية، وتحدث عما سمعه من الجيل السابق عن الحياة قبل حكم الملالي، وعن الشباب الذين فقدوا حياتهم، وعن الإيرانيين الذين غادروا وطنهم وانتشروا في دول العالم. وكان ينظر إلى ما وصلت إليه دول الخليج من تنمية وازدهار، ويقارن ذلك بما يراه في بلده.
قلت له إن لدي صورة مختلفة من الذاكرة؛ فقد كنت أرى قبل الثورة الحجاج الإيرانيين في المدينة المنورة، وكان واضحًا آنذاك مستوى معيشتهم واقتدارهم. كان حوارًا طويلًا بين.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
