رحل الأستاذ وبقي الدرس .. الشاعر السرغيني في ذاكرة التلميذ المرزوقي

في ذلك الزمان الغابر، أي في بداية الستينات، كانت قرية غفساي في الشمال الغربي للمغرب مجرد قرية هامشية في أحواز مدينة فاس، ولم يكن اسمها يذكر إلا كلما أثير الحديث عن جيش التحرير، لأن غاباتها الكثيفة المترامية كانت أحد المعاقل للرجال الذين حملوا السلاح لتحرير المغرب.

وبالطبع، لم تكن فيها بعد مؤسسة ثانوية لاستقبال تلامذة المنطقة الذين كانوا يتوجهون إما إلى ثانويات مدينة فاس أو بلدتَي تاونات، وبامحمد.

ولما أكملت دراستي الابتدائية، شددت الرحال مع أحد أصدقاء الطفولة إلى قرية با محمد. وبعد ما يزيد عن ثلاثة أشهر من انتظار عقيم لالتحاق الأساتذة الفرنسيين بالمؤسسة، ارتأى والدي رحمه الله أن يلحقني بمدينة فاس خوفا من ضياع سنة كاملة من الدراسة.

وهكذا رأيتني بصحبته ذات صباح للالتحاق بثانوية المولى رشيد بفاس كتلميذ متأخر عن زملائه بما يقرب من ثلث سنة دراسية.

وإن أنسى فلن أنسَ الصعوبات الجمة التي وجدتها في التأقلم مع محيطي الجديد؛ فمن جهة، كان بعض التلاميذ لا يرحمون ولا يتفهمون وضعيتي المعقدة، فكانوا يتخذون مني موضوعا شيقا للتنكيت والسخرية على اعتبار أني جبلي “قفوح” أي بليد متخلف، (وكانت تلك هي النظرة التي كان يحملها جل الفاسيين تجاه كل قادم عليهم من البادية)، فكان بعضهم لا يتوانى بالنداء علي في الاستراحة: تعال يا ولد خلاعين البيصارة… والآخر يناديني: أجْبالة البَلا..

والآخر يسخر من لهجتي الجبلية ويقلدها بكثير من المبالغة لإضحاك أصدقائه. وزاد في الطين بلة أني كنت لا أقوى على رد أي فعل، نظرا لالتزامي بما أوصاني به والدي من انضباط ونأي عن إثارة المشاكل.

وهكذا كنت كلما دخلت إلى حصة جديدة، سارع بعض المشاغبين لرفع أصبعه متوجها إلى الأستاذ ومشيرا إليّ باسما بتخابث:

ـ أستاذ.. أستاذ.. تلميذ جديد.. جبيلو نازل من “الأرية” (القرية) بلكنة أهل فاس.

فكان الأستاذ يدعوني إلى السبورة ويطلب مني أن أصحب معي دفتر المادة التي كان يُدرسها. وكنت ألبي دعوته ولكن بدون دفتر.. إذ كيف أعطيه دفترا وأنا لم أدرس في تلك الأشهر التي قضيتها بالقرية سوى مادتي العربية والفرنسية، وبمستوى قسم الشهادة فقط.

وحين كان يسألني، كانت لهجتي الجبلية مع تلعثمي يثيران في القسم ضجة صاخبة من الضحك..

وذات مرة، دعتني إلى السبورة أستاذة العلوم الطبيعية السيدة أندريو وطلبت مني الدفتر مع مقرر المادة، ولما أجبتها بالنفي، أخذت من أحد التلاميذ دفتره وفتحته أمامي، فدهشت وأنا أرى رسوما لجماجم الأرانب والكلاب والقطط..

فقلت في نفسي مستغربا: أي لَهو هذا الذي ينشغل به التلاميذ بدراسة عبثية حول الحيوانات ويتركون المواد العلمية الجدية؟

وكان موقفي كذلك مع أستاذ الرسم والتاريخ والجغرافيا وأستاذة الفيزياء

والكيمياء التي كانت زوجة الحارس العام السيد طالب، الجزائري الجنسية.

ونفس الشيء حصل لي مع أستاذ الرياضيات، المدعو سلطان الذي كان يهوديا فرنسيا طويل القامة، أصلع الرأس، أبيض البشرة، أفطس الأنف، لا تعرف الابتسامة طريقها إلى فمه أبدا.

فمدني بأصبع طباشير وقال لي أكتب:

(a + b)² =

فكتبت بكل سذاجة:

A plus b au carré égal…

فلم أشعر إلا وصفعة مدوية تلهب وجهي وتشعل نجوما أمام ناظري..

فقد اعتقد الأستاذ الفظ بأني أسخر منه، وكانت تلك هي ردة فعله اللطيفة التي لم يكن التلاميذ ينتظرون غيرها كي يضجوا بضحك متواصل ويزيد يقينهم ترسخا بأني بليد حقا بل ومتجذر في البلادة.

والحقيقة أن الأمور لم تنفرج إلا عند لقائي في الحصة الثانية بالسيدة أندرو، أستاذة العلوم الطبيعية التي كانت في منتهى الرقة واللطافة، وهي بالمناسبة زوجة أستاذ الفرنسية، حيث أفهمتني بأن علي أن أشتري كتابا ودفترا للعلوم الطبيعية وأن أنسخ كل الدروس التي فاتتني، كما أوكلتني إلى تلميذ اسمه اعبابو كي يساعدني على ذلك. وأعتقد أنها أوصت زوجها بي خيرا لأني في أول لقاء لي به وجدته طيبا متفهما، خصوصا عندما استحسن مستواي في مادته.

وجاءت حصة الرياضة البدنية وكان المسؤول عنها إن لم تخني الذاكرة الأستاذ الحبابي أو بن جلون، وبالطبع، لم تكن معي بذلة للرياضة، فكان الرجل متساهلا وتركني أشمر أكمام سروالي وأجري مع زملائي تحت ضحكهم الساخر.

وفي المساء، هاتفت والدي واشتكيت له وضعيتي، فقدِم على الفور وصحبني عند الحارس العام، الذي عدد له كل ما أنا بحاجة إليه وطمأنه بأن الأمور ستكون على ما يرام وأني سأستدرك كل ما فاتني من دروس.

وجاء دور أستاذ اللغة العربية، وكما.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من هسبريس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من هسبريس

منذ 4 ساعات
منذ 10 ساعات
منذ 9 ساعات
منذ 18 دقيقة
منذ 4 ساعات
منذ 3 ساعات
هسبريس منذ ساعتين
أشطاري 24 منذ 21 ساعة
هسبريس منذ 18 ساعة
Le12.ma منذ 15 ساعة
هسبريس منذ 17 ساعة
2M.ma منذ 17 ساعة
هسبريس منذ 18 ساعة
2M.ma منذ 18 ساعة