«بنتنا وصلت».. صدى المنصوري يبلغ تندوف: هل جاء حل الأزمة من حيث لم يتوقع أحد؟

باحث في الإعلام والصناعة الثقافية

من «بنت الصحراء» إلى رئاسة الحكومة.. حين تتجاوز الذاكرة الاجتماعية حدود السياسة

لم يكن صدى تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة المغربية محصوراً في الرباط، ولا في الأحزاب السياسية، ولا في الشارع المغربي الذي تابع هذا الحدث السياسي غير المسبوق.

ففي لحظة أصبحت فيها المنصوري أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب، بدا أن صدى اسمها تجاوز حدود العاصمة، ووصل إلى فضاء آخر ظل لعقود مرتبطاً بواحد من أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة.

وصل إلى تندوف.

هناك، في المخيمات، بدأت تتردد، وفق ما يتم تداوله، عبارات مختلفة حول وصول المنصوري إلى رئاسة الحكومة، ومن بينها العبارة الأكثر لفتاً للانتباه:

«بنتنا وصلت»

قد تبدو العبارة بسيطة، لكنها تحمل دلالات كبيرة عندما نضعها في سياقها الاجتماعي والتاريخي.

فاطمة الزهراء المنصوري ليست بعيدة عن الصحراء المغربية، وليست شخصية جاءت من خارج هذا الفضاء.

إنها صحراوية مغربية، مثلها مثل ملايين المغاربة الذين تحمل عائلاتهم جذوراً وامتدادات صحراوية، تمتد عبر مدن ومناطق مختلفة داخل المغرب.

وقد أعلنت المنصوري نفسها، من مدينة الداخلة، خلال الحملة الانتخابية، انتماءها إلى قبيلة أولاد دليم.

وهنا تبدأ الحكاية.

من الداخلة إلى الرباط ومن الرباط إلى تندوف

في الخامس من شتنبر، كانت فاطمة الزهراء المنصوري في الداخلة، خلال تجمع انتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة، حين تحدثت عن أصولها وانتمائها إلى قبيلة أولاد دليم.

كان ذلك حديثاً عن الجذور والانتماء.

لكن بعد أسابيع قليلة، عاد الاسم نفسه إلى الواجهة من موقع مختلف تماماً.

في 29 شتنبر، استقبلها جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بالقصر الملكي بالرباط، وعيّنها رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة، وفق الفصل 47 من الدستور.

وبذلك أصبحت المنصوري أول امرأة في تاريخ المغرب تتولى رئاسة الحكومة.

من الداخلة إلى الرباط مسافة قصيرة في الزمن، لكنها كبيرة في الدلالة.

امرأة مغربية صحراوية تعلن انتماءها إلى أولاد دليم، ثم تصل إلى رئاسة الحكومة المغربية.

لكن المفاجأة لم تتوقف هنا.

فقد بدأ اسمها يصل إلى تندوف، حيث خرجت، وفق ما يتم تداوله، أصوات تشيد بوصول «بنت الصحراء» إلى رئاسة الحكومة.

وبدأت تتردد عبارات من قبيل:

«بنتنا وصلت».

وهنا يصبح السؤال مشروعاً:

لماذا فرحت بعض الأصوات في تندوف بوصول امرأة مغربية إلى رئاسة الحكومة؟

«بنتنا» عندما تتحدث الصحراء بلغة مختلفة

السياسة ترسم الحدود.

لكن التاريخ الاجتماعي لا يمحو بسهولة الروابط التي كانت موجودة قبل هذه الحدود.

والصحراء، بطبيعتها الاجتماعية والتاريخية، تختزن علاقات قبلية وعائلية واسعة، تمتد بين مناطق ومدن وبلدان ومجتمعات.

وفاطمة الزهراء المنصوري ليست استثناءً في ذلك.

فهي صحراوية مغربية، مثل ملايين المغاربة ذوي الأصول الصحراوية الذين لا يعيشون جميعاً في الأقاليم الجنوبية.

هناك صحراويون في الداخلة والعيون والسمارة وكلميم، وهناك من يحملون الجذور نفسها في أكادير ومراكش والدار البيضاء والرباط وغيرها من المدن المغربية.

فالانتماء الصحراوي لم يكن يوماً محصوراً في نقطة واحدة على الخريطة.

ومن هنا يمكن فهم عبارة:

«بنتنا وصلت».

إنها قبل أن تكون عبارة سياسية، عبارة اجتماعية.

عبارة تختصر القرابة والذاكرة والجذور.

تندوف حين يصبح الحنين إلى الوطن أقوى من الحدود

وهنا نصل إلى الجانب الأكثر حساسية في القصة.

فالمخيمات في تندوف ظلت لعقود مرتبطة بهذا النزاع المفتعل وظلت قضية سكانها موضوعاً للجدل السياسي والإنساني.إن جزءاً من سكان المخيمات ينحدر من أصول مغربية صحراوية (و الباقي مرتزقة)، وأن هؤلاء ظلوا بعيدين عن وطنهم الأصلي، في انتظار أن تنتهي هذه الأزمة ويعودوا إلى وطنهم.

ولهذا، فإن ظهور امرأة صحراوية مغربية في أعلى منصب حكومي قد يحمل بالنسبة إلى بعض هؤلاء معنى خاصاً.

إنهم لا يرون فقط رئيسة حكومة جديدة.

قد يرون ابنة الصحراء المغربية وقد وصلت إلى موقع القرار.

وقد يقول أحدهم:

«بنتنا وصلت».

كأن العبارة تختصر سنوات طويلة من الانتظار.

وكأنها تقول إن ابنة الصحراء لم تبتعد عن وطنها، بل وصلت إلى قلب مؤسساته.

هل تنتظر تندوف الحل من «بنت الصحراء»؟

السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو:

هل يمكن أن يكون وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة بداية أمل جديد بالنسبة إلى سكان مخيمات تندوف؟

من المؤكد أن الحل السياسي لقضية الصحراء أكبر من شخص واحد.

فرئيسة الحكومة لا تملك وحدها مفاتيح هذا الملف، الذي يرتبط بسياسة الدولة ومؤسساتها، وبالمسار الأممي وبالعلاقات الدولية.

لكن هناك شيئاً آخر لا يمكن تجاهله: الإنسان.

فالسياسة قد تتحدث عن الخرائط والحدود والمفاوضات، لكن الإنسان يتحدث عن الوطن والأسرة والذاكرة والانتماء.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الصدى الذي أحدثه وصول «بنت الصحراء المغربية » إلى رئاسة الحكومة.

أول رئيسة حكومة وصحراوية مغربية

هناك نقطة أساسية ينبغي التأكيد عليها.

فاطمة الزهراء المنصوري لم تصل إلى رئاسة الحكومة لأنها ابنة قبيلة معينة، ولم تُعيَّن باعتبارها ممثلة للصحراء.

لقد وصلت إلى هذا المنصب من خلال مسار سياسي ومؤسساتي وطني.

لكن جذورها الصحراوية تضيف إلى قصتها بعداً اجتماعياً وتاريخياً لافتاً.

فهي مغربية وصحراوية في الوقت نفسه.

وهذا أمر طبيعي بالنسبة إلى ملايين المغاربة الذين تحمل عائلاتهم أصولاً صحراوية، والذين انتقلوا عبر أجيال إلى مختلف المدن المغربية، وظلت روابطهم العائلية والاجتماعية قائمة.

لذلك، فإن القول إن المنصوري «بنت الصحراء» لا يعني أنها أقل مغربية.

بل العكس تماماً.

إنه يبرز جانباً من التنوع الذي يميز المجتمع المغربي.

المفارقة التي ربما لم ينتبه إليها أحد

طوال عقود، ظلت تندوف والرباط تظهران في الخطاب السياسي وكأنهما طرفان متباعدان.

لكن وصول فاطمة الزهراء المنصوري خلق، ولو على المستوى الرمزي، صورة مختلفة.

امرأة مغربية صحراوية تصل إلى رئاسة الحكومة.

وفي تندوف، خرج اليوم من يقول:

«بنتنا وصلت».

أليست هذه مفارقة تستحق التأمل؟

قد تكون السياسة قد صنعت مسافات طويلة.

لكنها لم تستطع أن تمحو كل الروابط.

وقد تكون الخرائط قد رسمت حدوداً، لكنها لم تستطع أن تمحو الذاكرة.

وقد يكون الناس قد ابتعدوا عن وطنهم، لكن الحنين إلى الوطن لا يموت بسهولة.

من «أنا من أولاد دليم» إلى «أنا رئيسة حكومة المغرب»

ربما لا توجد جملة تختصر القصة أكثر من هذه:

من الداخلة قالت فاطمة الزهراء المنصوري:

«أنا من أولاد دليم».

وبعد أسابيع قليلة، أصبحت من الرباط:

رئيسة للحكومة المغربية.

ثم يصل صدى اسمها إلى تندوف:

«بنتنا وصلت».

ثلاث محطات، وبينها قصة تتجاوز السياسة إلى المجتمع والتاريخ والذاكرة.

لكن الأهم ألا نحمل هذه العبارة أكثر مما تحتمل.

فالحل السياسي لا تصنعه القبيلة وحدها، ولا يقرره شخص واحد، ولا تختصره جملة عاطفية.

ومع ذلك، فإن مثل هذه العبارات قد تحمل رسالة إنسانية مهمة:

أن هناك من لا يزال يرى أن الروابط أكبر من الخلافات، وأن العودة إلى الوطن يمكن أن تظل حلماً حاضراً مهما طال الانتظار.

«بنتنا وصلت» فهل تصل معها نهاية الانتظار؟

ربما تكمن قوة قصة فاطمة الزهراء المنصوري في أنها فتحت نافذة على قضية الصحراء المغربية من زاوية مختلفة.

ليست زاوية الخرائط فقط.

ولا زاوية السياسة فقط.

بل زاوية الإنسان،زاوية الأصل،زاويةالذاكرة، وزاوية الوطن.

فاطمة الزهراء المنصوري، الصحراوية المغربية، وصلت إلى رئاسة الحكومة المغربية.

وفي الجهة الأخرى، يُقال إن أصواتاً في مخيمات تندوف خرجت لتغني وتحتفي بوصول «بنت الصحراء المغربية».

«بنتنا وصلت»

قد تكون العبارة قصيرة، لكنها تحمل وراءها سنوات من الانتظار والأسئلة والحنين.

وقد لا يكون من السهل معرفة ما إذا كان هذا الصوت يمثل شريحة محددة أو يعبر عن شعور أوسع داخل المخيمات، فالرسالة التي تثيرها هذه القصة واضحة:

الصحراء ليست مجرد أرض في الخريطة، وليست مجرد ملف سياسي. إنها أيضاً ذاكرة بشر، وروابط عائلية، وانتماءات، ووطن يحمله الإنسان في قلبه أينما كان.

وفاطمة الزهراء المنصوري، التي أعلنت من الداخلة انتماءها إلى أولاد دليم، أصبحت اليوم أول امرأة مغربية تصل إلى رئاسة الحكومة.

ويبقى السؤال مفتوحاً:

هل وصلت فقط إلى رئاسة الحكومة، أم أن وصول «بنت الصحراء المغربية » إلى هذا الموقع قد يفتح نافذة جديدة على نهاية انتظار طال أكثر مما ينبغي؟


هذا المحتوى مقدم من جريدة أكادير24

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من جريدة أكادير24

منذ 5 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ ساعة
منذ 3 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 10 ساعات
هسبريس منذ 16 ساعة
هسبريس منذ 5 ساعات
موقع بالواضح منذ 35 دقيقة
هسبريس منذ 12 ساعة
أحداث الداخلة منذ 5 دقائق
هسبريس منذ 6 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 8 ساعات