أشاد دونالد ترمب، خلال فعالية في البيت الأبيض الشهر الماضي، بالجهات التنظيمية المالية لأنها "تعمل بجد شديد" لجلب منصة التداول الإلكترونية "هايبرليكويد" (Hyperliquid)، التي تتخذ الشركة المطورة لها مقراً في سنغافورة، إلى الولايات المتحدة.
ومع افتخار ترمب بكونه رئيساً مؤيداً للعملات المشفرة، إذ تحمل عملات رقمية اسمه وتستثمر عائلته بكثافة في هذا القطاع، فإن "هايبرليكويد" ليست مشروعاً عادياً للعملات المشفرة. فهي متخصصة في العقود المستقبلية الدائمة، والمرتبطة بأصول تتراوح من العملات المشفرة والنفط الخام إلى المعادن النفيسة وأسهم الشركات الأميركية. وتنطوي هذه العقود على إمكانية تغيير طريقة استثمار الناس في كل شيء تقريباً، سواء للأفضل أو للأسوأ.
تتيح العقود المستقبلية التقليدية للمستثمرين شراء أصل أو بيعه بسعر محدد وتاريخ انتهاء معين، وتُستخدم للمضاربة أو التحوط من مراكز استثمارية أخرى. فعلى سبيل المثال، ربما يشتري مستثمر عقوداً مستقبلية للذهب للتحوط من الدولار. أما العقد الدائم، فيختلف اختلافاً كبيراً؛ فهو نوع من عقود المشتقات اكتسب رواجاً أولاً في عالم الاستثمار بالعملات المشفرة، ولا تاريخ لانتهائه، ويُتداول على مدار الساعة، ويتيح اقتراض مبالغ ضخمة، ما يزيد حجم الأموال التي يمكن جنيها. ويقول آرثر هايز، الشريك المؤسس لمنصة تداول العملات المشفرة "بيت مكس" (BitMex) التي تتخذ من سيشل مقراً، ويُنسب إليها على نطاق واسع ابتكار العقد الدائم: "إنه منتج أفضل، بلا شك".
رغم أن بعض المستخدمين يحققون ثروات من تداول العقود الدائمة، فإن عدداً أكبر بكثير يخسرون أموالهم. ووجدت دراسة حديثة أجراها صندوق التحوط "إيفنت هورايزون لابز" (Event Horizon Labs) أن أقل من ربع حسابات "هايبرليكويد" تحقق أرباحاً. وبلغ حجم تداول العقود الدائمة في منصات العملات المشفرة العام الماضي 62 تريليون دولار، أي أكثر من ثلاثة أمثال حجم السوق الفورية للعملات المشفرة، وجرت جميع هذه التداولات تقريباً خارج الولايات المتحدة. ورغم أن التداول عبر "هايبرليكويد" لم يشكل سوى جزء ضئيل من تلك السوق، فإن توسع المنصة السريع إلى الأصول التقليدية، وأبرزها المعادن النفيسة والنفط والأسهم، وضعها في صدارة المشهد.
مزايا العقود الدائمة يرى المتداولون على "هايبرليكويد" (Hyperliquid) أن العقود الدائمة تتيح انكشافاً أكثر مباشرةً على الأصول مقارنة بالأدوات القائمة، إذ تحاكي تحركاتها الأسعار في السوق الفورية. وتحدثت "بلومبرغ بيزنس ويك" مع ستة متداولين على المنصة، طلب معظمهم عدم الكشف عن هوياتهم، مشيرين إلى مخاطر أمنية.
في وقت سابق من هذا العام، حددت لجنة تداول السلع الآجلة الأميركية، برئاسة مايكل سيليغ، الشروط التي يجوز بموجبها للمنصات الأميركية الخاضعة للتنظيم إتاحة تداول العقود الدائمة. وقال متحدث باسم اللجنة في رسالة عبر البريد الإلكتروني: "تعتقد اللجنة أن التمويل القائم على تقنية البلوك تشين جزء مهم من آفاق التمويل المقبلة، وتريد له أن يزدهر في الولايات المتحدة بطريقة قانونية ومتوافقة مع القواعد". وأدرجت بعض الشركات بالفعل عقوداً دائمة مرتبطة بالعملات المشفرة، منها منصة أسواق التنبؤ "كالشي" (Kalshi Inc) ومنصة تداول الأصول الرقمية "كوين بيس غلوبال" (Coinbase Global Inc)، ما أتاح تداول هذه الأدوات في الولايات المتحدة للمرة الأولى. ولا تريد "هايبرليكويد لابز" (Hyperliquid Labs)، الشركة المشرفة على المنصة التي تحمل اسمها، أن تتخلف عن الركب.
قد يهمك: الكونغرس الأميركي يقرّ أول تشريع فيدرالي لتنظيم العملات المستقرة
يثير ذلك كله قلق البعض في وول ستريت. فقد هبطت أسهم "سي إم إي غروب" (CME Group Inc)، أكبر بورصة تقليدية للمشتقات في العالم، بنسبة وصلت إلى 3.4% عقب تصريحات ترمب في منتصف أغسطس. وتقاضي الشركة لجنة تداول السلع الآجلة، زاعمةً أن سيليغ "التفّ على النظام الرقابي" المطلوب للموافقة على العقود الدائمة بوصفها أحد منتجات العقود المستقبلية. وادعت الشركة أن الجهة التنظيمية لم "تُقرّ بالتداعيات المهمة على أرض الواقع لهذا النهج الشامل الجديد". ووصفت اللجنة الدعوى القضائية، في بيان أصدرته آنذاك، بأنها "عبثية".
مخاوف وول ستريت تتمحور المخاوف الرئيسية حول التحولات الجذرية المحتملة في آليات التداول التي ربما تنذر بها العقود الدائمة. فهذه العقود معقدة، وكثيراً ما يخطئ في التعامل معها حتى المهنيون المتمرسون. وقبل نحو عام، صفّت منصات العملات المشفرة عقوداً دائمة مرتبطة بهذه العملات بقيمة تقارب 19 مليار دولار، ما دفع سوق العملات الرقمية بأكملها إلى موجة بيع طويلة لم تتعافَ منها حتى الآن. وحتى اليوم، شكّلت العقود الدائمة، التي تكاد تخلو من التنظيم، ساحةً للمتداولين الذين كثيراً ما يعملون دون الكشف عن هوياتهم. ومع تزايد ارتباط هذه العقود بأصول حقيقية، يُرجح أن تخضع لرقابة أكبر من الجهات التنظيمية الأميركية.
من الممكن، بل من المرجح، أن تنقسم سوق العقود الدائمة إلى شقين: سوق خارج الولايات المتحدة قائمة بالفعل، وسوق أميركية جديدة خاضعة للقواعد، تُطبق فيها ضوابط أكثر صرامة على المتداولين والجهات المشغّلة، على غرار ما حدث في أسواق التنبؤ. وقد بدأت هذه العملية بالفعل. إذ قالت "بايوارد" (Payward Inc)، الشركة الأم لمنصة تداول العملات المشفرة "كراكن" (Kraken)، في 16 سبتمبر إنها تعتزم إتاحة العقود الدائمة التابعة لـ"هايبرليكويد" لعملائها في الولايات المتحدة. وتنطوي هذه التطورات على أهمية كبيرة لـ"هايبرليكويد" ومنافسيها.
طالع أيضاً: ترمب يحث مجلس النواب على تمرير مشروع قانون تنظيم العملات المستقرة
تقول يشا ياداف، الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة فاندربيلت، التي تركز أبحاثها على الأصول الرقمية: "إذا حانت فرصة هذه الفئة من الأصول للظهور في الولايات المتحدة ثم سارت الأمور على نحو سيئ للغاية، فسيضع ذلك عقبات كبيرها أمام قبولها على نطاق واسع ومشاركة وول ستريت فيها".
يجسد آرثر هايز، من نواحٍ كثيرة، الصورة النمطية لمتحمس العملات المشفرة. فهو مفتول العضلات وصريح على نحو فظ، يقود سيارات فائقة الأداء، ويقضي شهوراً متواصلة في التزلج باليابان، ويتلقى حقناً بالخلايا الجذعية. وتحظى مدونته، التي ينشر فيها مقالات عن عملات الميم والتاريخ الاقتصادي وموضوعات أخرى، بمتابعين شديدي الولاء. وله أيضاً ماضٍ مثير للجدل وصلات بترمب؛ ففي العام الماضي، أصدر الرئيس عفواً عن هايز وشركائه المؤسسين في "بيت مكس" بشأن إخفاقهم في وضع ضوابط تمنع دخول الأموال غير المشروعة إلى المنصة، وهي تهمة أقروا بالذنب فيها عام 2022.
في عام 2016، ابتكر هايز وزملاؤه ما أصبح العقد الدائم غير محدد الأجل. وكان التحدي يتمثل في إبقاء عقد لا ينتهي أجله متوافقاً مع السعر الذي يُفترض أن يتتبعه. وحلّت العقود الدائمة هذه المشكلة من خلال مدفوعات متكررة بين المتداولين. فعندما كان سعر العقد الدائم يرتفع فوق ذلك السعر، كان المراهنون على ارتفاع الأسعار يدفعون عموماً للمراهنين على انخفاضها، ما يجعل الاحتفاظ بمركز يراهن على الارتفاع أعلى تكلفةً، والمراهنة على الانخفاض أكثر جاذبيةً. وعندما كان سعر العقد ينخفض دونه، كانت المدفوعات تنعكس عموماً. وساعد هذا الشد والجذب على إعادة تقارب السعرين. يقول هايز: "هذا هو الشيء الذي لم يتغير فعلياً منذ 10 سنوات".
يستطيع متداولو العقود الدائمة باستخدام الرافعة المالية اتخاذ مراكز تفوق بكثير رأس المال الذي يقدمونه، ما يضاعف المكاسب المحتملة والخسائر أيضاً. (وتذهب "هايبرليكويد" إلى مدى بعيد في ذلك، إذ تتيح رافعة مالية تصل إلى 50 ضعفاً). وعندما تتحرك الأسعار على نحو غير مواتٍ، تصفّي المنصة مراكز العملاء تلقائياً عند بلوغ مستوى معين. وفي بعض الحالات، يمكن إغلاق صفقات رابحة قسرياً ضمن آلية تُسمى خفض الرافعة المالية التلقائي، تُفعَّل لإبقاء المنصة قادرة على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ




