تدخل صناعة السيارات الكهربائية مرحلة جديدة من التحديات، بعدما بدأت معركة التحول بعيداً عن الوقود الأحفوري تصطدم بعقبة أخرى لا تقل تعقيداً تتعلق بتأمين المعادن الحيوية اللازمة لصناعة البطاريات.
أدى التوسع في إنتاج السيارات الكهربائية إلى ارتفاع الطلب على الليثيوم والغرافيت والكوبالت والنيكل والنحاس، في وقت تتركز فيه إمدادات هذه المواد وعمليات معالجتها في عدد محدود من الدول، ما يزيد مخاطر تقلب الأسعار والاختناقات في سلاسل التوريد ويمنح المعادن الحيوية وزناً متزايداً في الحسابات الجيوسياسية لصناعة السيارات العالمية.
ويحذر بيتر إي. ويلز، أستاذ الإدارة والاستدامة ومدير مركز أبحاث صناعة السيارات في جامعة«كارديف» البريطانية، من أن محاولة استبدال أسطول السيارات العالمي الحالي بسيارات كهربائية مماثلة في الحجم والقوة قد تخلق نقطة ضعف جيوسياسية كبيرة، داعياً إلى إنتاج سيارات كهربائية أصغر وأقل قوة، والأهم تقليص العدد الإجمالي للسيارات.
واشنطن تستنسخ نموذج بكين في سباق المعادن النادرة
يرى ويلز أن التحول إلى السيارات الكهربائية يضع صناعة السيارات والحكومات أمام معضلة ثلاثية: تحقيق أهداف خفض الانبعاثات، والحفاظ على الأهمية الاقتصادية لصناعة السيارات، وتقليل المخاطر الناجمة عن الاعتماد على سلاسل توريد المعادن الحيوية،وفق ما أفاد به تقرير صحيفة «لو موند» الفرنسية.
بطاريات ضخمة.. وطلب متزايد
ويستشهد الباحث بسيارة «مرسيدس-بنز» EQS 450+، التي تستخدم بطارية بسعة 122 كيلوواط/ساعة ويبلغ وزنها نحو 692 كيلوغراماً، باعتبارها نموذجاً لحجم الموارد التي يمكن أن تتطلبها السيارات الكهربائية الكبيرة.
وتحتاج صناعة السيارات والبطاريات إلى مجموعة من المواد الأساسية، أبرزها الليثيوم والكوبالت والنحاس والغرافيت والنيكل والمنغنيز والعناصر الأرضية النادرة.
وتزداد المخاوف مع توقع نمو الطلب على هذه المواد بوتيرة أسرع من قدرة بعض الأسواق على تأمين الإمدادات.
رسم بياني يوضح احتياطيات الدول من المعادن النادرة
وبحسب ويلز، قد يتجاوز الطلب الأوروبي على الغرافيت والليثيوم بحلول عام 2035 المعروض المتاح بنحو 80% و110% على التوالي، إذ قد يؤدي هذا الخلل إلى تقلبات حادة في الأسعار وارتفاع تكاليف الإنتاج، ما يهدد برفع تكلفة السيارات الكهربائية ويجعل عملية التحول أكثر تعقيداً بالنسبة إلى المستهلكين والحكومات.
الصين تهيمن على سلاسل الإمداد
لاحظ تقرير الصحيفة أن المخاطر لا ترتبط بحجم الطلب فقط، بل أيضاً بموقع الإنتاج والمعالجة، فجزء كبير من سلاسل إمداد السيارات الكهربائية يتركز في عدد محدود من الدول، وفي مقدمتها الصين.
تسيطر الصين على نحو 75% من قدرات إنتاج البطاريات عالمياً، كما تهيمن على نسبة كبيرة من عمليات معالجة المعادن، بما يشمل نحو 90% من إنتاج الغرافيت، و65% من الكوبالت، و58% من الليثيوم، و35% من النيكل.
ويعني هذا التركّز أن أي اضطراب تجاري أو سياسي يمكن أن ينعكس سريعاً على أسعار المواد الخام وتوافرها، كما يمنح الدول المسيطرة على سلاسل التوريد نفوذاً اقتصادياً واستراتيجياً على الأسواق المستوردة.
ولهذا السبب، تعمل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على توطين أجزاء أكبر من إنتاج السيارات والبطاريات ومكوناتها، بالتوازي مع تعزيز إعادة التدوير وتقليل الاعتماد على مورد واحد.
ويستهدف قانون المواد الخام الحيوية الأوروبي زيادة الاستخراج والمعالجة وإعادة التدوير داخل الاتحاد، مع الحد من الاعتماد على دولة واحدة لتوفير الإمدادات.
هل تستطيع أميركا كسر هيمنة الصين على البطاريات؟
هل يحتاج العالم إلى مليار سيارة كهربائية؟
لكن الباحث البريطاني يرى أن هذه السياسات تعالج جزءاً من المشكلة، بينما يبقى السؤال الأكبر: هل يحتاج العالم فعلاً إلى استبدال أكثر من مليار سيارة تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي بسيارات كهربائية مماثلة في الحجم والعدد؟
ضمن الحلول، وضع الباحث تقليص العدد الإجمالي للمركبات كوسيلة أكثر فاعلية لتقليل الطلب على المعادن الحيوية، وبالتالي الحد من المخاطر الجيوسياسية المرتبطة بها.
ولا تعني هذه الرؤية العودة إلى السيارات العاملة بالوقود الأحفوري، بل إعادة التفكير في شكل التنقل نفسه، من خلال تطوير سيارات أصغر وأقل قوة، إلى جانب تقليل عدد المركبات الموجودة على الطرق.
بطارية واحدة قد تصنع عشرات السيارات الصغيرة
ويقدم ويلز مقارنة لافتة لتوضيح حجم استهلاك الموارد، فالمواد المستخدمة في بطارية سيارة «مرسيدس-بنز» EQS 450+ يمكن، وفق تقديراته، أن تكفي لصناعة نحو 250 دراجة كهربائية، أو 86 مركبة كهربائية صغيرة منخفضة القوة، مثل «سيتروين آمي».
وتوضح هذه المقارنة الفارق الكبير في استهلاك الموارد بين السيارات الكهربائية الكبيرة والمركبات الخفيفة، إذ إن زيادة حجم السيارة وسعة بطاريتها تعني زيادة الطلب على المعادن، حتى مع اختفاء الانبعاثات المباشرة من العادم.
تقليص الأسطول.. الحلقة المفقودة
ويرى ويلز أن النقاش العالمي بشأن التحول الكهربائي ركز بصورة كبيرة على تطوير كيمياء البطاريات وتحسين كفاءة الإنتاج، بينما لم يحظَ حجم السيارات وقوتها وعددها بالاهتمام نفسه.
ومن وجهة نظره، فإن استمرار النهج الحالي، القائم على استبدال سيارة كبيرة تعمل بالوقود بسيارة كهربائية كبيرة، قد ينقل مشكلة الاعتماد على النفط إلى مشكلة جديدة تتمثل في الاعتماد على المعادن الحيوية.
مجموعة الـ7 تسعى لخفض اعتمادها دون 60% على المعادن النادرة الصينية
لذلك؛ فإن التحول الحقيقي قد لا يكون في استبدال محرك الاحتراق بمحرك كهربائي فحسب، بل في تقليص حجم السيارات وقوتها وعددها.
وبعبارة أخرى، يرى الباحث أن مستقبل النقل المستدام يحتاج إلى سيارات كهربائية أصغر، وبطاريات أقل حجماً، وقدرة أقل، والأهم أسطول سيارات أقل بكثير.
ففي ظل تصاعد المنافسة العالمية على الموارد، قد لا يكون السؤال الاقتصادي الأهم هو كيف يمكن إنتاج عدد أكبر من السيارات الكهربائية، بل كم سيارة يحتاج العالم فعلاً؟
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

