هل يصمد اقتصاد ليبيا أمام تقلبات الدولار بعد فرض ضوابط تصدير جديدة؟

ضوابط جديدة للتصدير في ليبيا، شملت حظر منتجات صناعية وزراعية ومنع إعادة تصدير كافة السلع المستوردة، في وقت يشهد الدينار ضغوطاً كبيرة أمام الدولار.

وأثارت الضوابط الجديدة ردود فعل متابينة في ظل انقسام سياسي بالبلاد بين حكومتين بالشرق والغرب، بين من يرى أنها تستهدف حماية الاقتصاد بشكل مؤقت كإجراء استثنائي، مقابل رفض لتلك القرارات المفاجئة التي تضر الإنتاج ولا تواجه شبكات التهريب للسلع المستوردة بشكل حاسم التي تفاقم من أزمة الدينار أمام الدولار، بحسب أحايث معنيين في ليبيا بينهم مسؤول رقابي في حديث لـ«إرم بزنس».

قرار مفاجئ

وأصدرت وزارة الاقتصاد في حكومة «الوحدة الوطنية» المتواجدة غرب البلاد، قراراً الأحد، لضبط عمليات التصدير، عبر حظر تصدير كافة المنتجات الزراعية باستثناء التمور، وحظر تصدير الصناعات الغذائية المنتجة محلياً إلى حين استقرار أوضاع السوق المحلي، إضافة إلى حظر إعادة تصدير كافة أنواع السلع والمنتجات المستوردة بهدف إعادة التوازن للأسواق المحلية وتأمين احتياجات المستهلكين.

وتعد التمور من أبرز السلع الزراعية التصديرية في ليبيا، التي تحتضن نحو 8 ملايين نخلة، في قطاع يعمل به آلاف المزارعين، ويجعل البلاد في المرتبة الـ11 عالمياً والـ9 عربياً والـ5 إفريقياً، وفق بيانات سابقة لـ«الفاو».

ليبيا تحظر تصدير المنتجات الزراعية باستثناء التمور

وبلغ إجمالي الصادرات الليبية خلال النصف الأول من العام الجاري 17.86 مليار دولار، مقابل واردات سلعية بقيمة 11.6 مليار دولار، من بينها 4.6 مليار دولار للمحروقات، و6.97 مليار دولار واردات للقطاع الخاص عبر الاعتمادات المستندية، بينما بلغت إيرادات الصادرات النفطية بالنقد الأجنبي 15.2 مليار دولار، وفق بيان وزارة الاقتصاد في أغسطس الماضي.

وفي 18 يناير الماضي، خفّض البنك المركزي مجدداً قيمة العملة (الدينار)، للمرة الثانية خلال 9 أشهر، بنسبة 14.7% ليصبح سعر الصرف رسمياً 6.35 دينار بينما يبلغ حالياً 9.60 دينار بالسوق الموازية، نزولاً من 9.80 دينار حيث تتجاوز الفجوة بين السعرين 3 دنانير، بما يزيد تكلفة الاستيراد ويفرض ضغوطاً إضافية على أسعار السلع في الأسواق.

الحظر ليس حلاً

ويقول وزير الدولة لشؤون الاقتصاد السابق ورئيس مجلس المنافسة ومنع الاحتكار الليبي الحالي، الدكتور سلامة الغويل، في حديث لـ«إرم بزنس»: «نحن أمام قرار يمس المنتج الليبي والمصدر والمستهلك والأسعار والاستثمار ومستقبل المنافسة في السوق».

وأضاف الغويل: «من موقع رئيس مجلس المنافسة، فإن منع المنتج الليبي من الوصول إلى الأسواق الخارجية تحت عنوان حماية السوق المحلي، سياسة تحتاج إلى مراجعة عميقة؛ لأن حماية المستهلك لا تعني معاقبة المنتج، وحماية الأمن الغذائي لا تعني إضعاف القدرة الإنتاجية للبلاد».

وشدد على أن «مجلس المنافسة مع تنظيم التصدير عندما تقتضي الضرورة، وحماية الأمن الغذائي، ومحاربة المضاربة والتهريب، لكن ليس مع حظر شامل بلا دراسة منشورة، ولا لقرارات مفاجئة تربك المنتجين والمستثمرين، ولا لاستخدام التصدير شماعة لأزمة الدولار».

وأوضح أن «أزمة الدولار لا تعالج بمنع تصدير البطاطا والطماطم والمنتجات الغذائية، وأزمة العملة الأجنبية مرتبطة أساساً بهيكل الاقتصاد الليبي، وحجم الإنفاق العام، والاعتماد على الاستيراد، وإدارة الموارد النفطية، والسياسة النقدية والمالية».

وأضاف: «مصرف ليبيا المركزي يبين أن إجمالي الإنفاق العام في 2025 بلغ نحو 136.8 مليار دينار، بينما بلغت إيرادات مبيعات النفط والإتاوات نحو 116.8 مليار دينار، فهل يعقل أن تكون الإجابة عن هذا الاختلال الكبير هي إغلاق منافذ التصدير أمام المنتج الليبي؟».

حجم التأثير

المستثمرون يعدون أحد أبرز أطراف الاقتصاد المتأثرين بالقرارات الحكومية، ويرى المستثمر الليبي، حسني بي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن هدف القرار المعلن حماية السوق المحلية واستقرار الإمدادات الغذائية، لكن من الناحية الاقتصادية، يجب أولاً معرفة حجم الصادرات المشروعة التي يستهدفها القرار فعلياً.

وأضاف: «ليبيا لا تملك حالياً قاعدة كبيرة من الصادرات الزراعية والغذائية المنظمة مقارنة بحجم صادراتها النفطية؛ فإجمالي الصادرات الليبية ما زال يهيمن عليه النفط والغاز بصورة ساحقة، بينما صادرات الفواكه والخضروات في 2024 كانت في حدود بضعة ملايين من الدولارات فقط».

وتابع: «لذلك، إذا كان معظم ما يخرج من بعض السلع الزراعية أو الغذائية إلى دول الجوار يتم أصلاً خارج القنوات الرسمية، فإن حظر التصدير القانوني لن يغير المعادلة كثيراً ما لم يصاحبه تطبيق فعلي على الحدود والمنافذ والأسواق والتجارة غير المشروعة، ومن ثم يكون له أثر».

وبالنسبة لتأثير القرار على السوق، فقد يرفع المعروض المحلي لبعض السلع في الأجل القصير ويخفف ضغطاً موسمياً على الأسعار، لكنه ليس بديلاً عن زيادة الإنتاج، وتحسين التخزين والنقل، وتقليل الفاقد، بحسب حسني بي، مؤكداً أنه بشأن «صدمة الدولار، فالقرار لا يستطيع وحده حماية الاقتصاد منها».

سفينة حاويات راية في ميناء طرابلس غرب ليبيا- 12 فبراير 2012

وأوضح أن «أثر الصادرات الزراعية والغذائية على ميزان النقد الأجنبي محدود مقارنة بمبيعات النفط، وبالمقابل أصل ضغط الدولار في ليبيا يرتبط أساساً بالإنفاق العام، والسيولة، والاستيراد، وفجوة سعر الصرف. ولذلك لن يحل حظر تصدير بضعة سلع مشكلة نقدية بهذا الحجم».

خطوة صحيحة مؤقتة

من وجهة نظر الخبراء، يرى رئيس قسم الاقتصاد في جامعة بنغازي، حلمي القماطي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن ضوابط التصدير الزراعي والغذائي قد يؤثر في الطلب على الدولار بصورة غير مباشرة، وإذا أردنا حماية الاقتصاد من صدمة الدولار، فالمطلوب ليس فقط أن نمنع خروج السلع ونبحث عن أصل المشكلة النقدية».

ويعتقد القماطي أن «القرار منطق اقتصادي في المدى القصير وصحيح كإجراء استثنائي ومؤقت، لكنه خطير إذا تحول إلى سياسة دائمة، خاصة وأنه إذا كان هناك نقص أو ارتفاع في أسعار بعض السلع داخل ليبيا، فمن الطبيعي أن تحاول الدولة إبقاء الإنتاج المحلي في السوق بدل خروجه إلى الخارج.

ولفت إلى أنه لو لم يصدر القرار، ويتم وضع ضوابط في ظل اختلال السوق كان يمكن أن يؤدي إلى زيادة خروج بعض المنتجات المحلية وانخفاض المعروض المحلي وارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على الاستيراد وزيادة الطلب على الدولار، مشيراً إلى أن القرار يمكن تفهمه في ضوء ذلك فقط.

لكن القماطي نبه إلى أن «الصادرات الليبية ليست في الأساس صادرات زراعية أو غذائية خاصة والاقتصاد الليبي اقتصاد نفطي بامتياز، والقرار يستهدف بالأساس جزءاً صغيراً جداً من التجارة الخارجية».

الدينار الليبي أمام 5 شروط للاستقرار.. هل تنجح الموازنة الموحدة؟

ويتفق معه رئيس منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية المحلل الاقتصادي، خالد بوزعكوك، في حديث لـ«إرم بزنس»، موضحاً أن تأثير هذا القرار لحماية الاقتصاد من صدمة الدولار ستكون محدودة نظراً لضعف حجم الصادرات، داعياً إلى الشروع في إنشاء مناطق حرة لتشجيع تجارة إعادة التصدير لتوفير سيولة دولارية تؤمن الاقتصاد وتقويه فضلاً عن خفض الضغط المستمر على العملة الصعبة نتيجة للطلب المتزايد على الدولار وخلق فرص استثمارية وتوظيفية حقيقية.

ويعتقد بوزعكوك أن قرار ضوابط التصدير الجديد لن يكون له أي تأثيرات تذكر على استقرار سعر السلع وتوفرها وتوازن الأسواق بسبب أن السلع المستوردة من خلال الاعتمادات لا يتم تصديرها رسميا بل عبر شبكات تهريب في ظل هشاشة الوضع الأمني واتساع الحدود الجغرافية بين ليبيا ودول الجوار.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 17 دقيقة
منذ ساعتين
منذ 4 ساعات
منذ 51 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
صحيفة الاقتصادية منذ 17 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 10 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 23 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 18 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 19 ساعة