الذكاء الوظيفي بين الكفاءة والمراوغة

في بيئات العمل لا تصنع المناصب وحدها النفوذ، ولا تعني القدرة على التأثير أن صاحبها يمتلك بالضرورة كفاءة إدارية أو مهنية؛ فهناك نفوذ يتشكل من الخبرة والمصداقية والثقة والقدرة على الإنجاز، وهناك نفوذ آخر يتشكل من التحكم في المعلومات، وإدارة الانطباعات، واستثمار العلاقات، والتأثير غير الرسمي في القرارات. وقد يمنح كلاهما صاحبه حضورًا داخل المؤسسة، لكن الفارق الحقيقي يظهر في الأثر؛ فالنفوذ القائم على الكفاءة يعزز الثقة والتعاون، بينما يؤدي النفوذ القائم على المراوغة، مع الوقت، إلى تآكل الثقة وارتفاع السلوكيات الدفاعية داخل بيئة العمل.

وما نصفه هنا بـ«المراوغة الوظيفية» هو نمط من السلوك قد يصفه البعض بـ«الخبث الوظيفي»، غير أن مفهوم المراوغة أكثر ملاءمة في السياق الإداري؛ لأنه يركز على السلوك ونتائجه بدلًا من الحكم على شخصية الموظف أو نواياه. ففهم بيئة العمل، وقراءة المتغيرات، وإدراك المصالح، وبناء العلاقات المهنية، والقدرة على التكيف، كلها مهارات يحتاج إليها الموظف الناجح. وتبدأ المشكلة عندما تتحول هذه المهارات من أدوات للتعاون وتحقيق الأهداف إلى وسائل للتلاعب بالمعلومات، أو إدارة الصورة الشخصية، أو الالتفاف على الإجراءات، أو تحقيق مكاسب فردية على حساب الفريق والمؤسسة.

من منظور السلوك التنظيمي، لا يمكن تفسير هذه الممارسات بالعوامل الفردية وحدها؛ فالسلوك داخل المؤسسة يتأثر بالهيكل التنظيمي، ونمط الإدارة، والثقافة السائدة، ونظم الحوافز، وآليات التقييم، ووضوح الأدوار، ومستوى المساءلة. فالموظف لا يعمل بمعزل عن بيئته، وإنما يتفاعل معها ويتأثر بما تكافئه المؤسسة وما تتسامح معه، وبالسلوك الذي يقود فعليًا إلى التقدير والترقية.

ومن هنا تظهر أهمية وضوح الدور في علم الإدارة؛ فكلما كانت المسؤوليات والصلاحيات محددة، قلت المساحات التي يمكن أن تتداخل فيها الأدوار أو تضيع فيها المسؤولية. أما حين يسود الغموض، فقد يصبح من السهل نسب النجاح إلى الذات وإلقاء الإخفاق على الآخرين. كذلك يتحول احتكار المعلومة إلى مصدر للنفوذ عندما تكون قنوات الاتصال ضعيفة، ويزداد تأثير العلاقات الشخصية عندما تكون معايير الأداء والترقية غير واضحة. ولهذا فإن البيئة التنظيمية نفسها قد تكون عاملًا حاسمًا في الحد من المراوغة أو منحها مساحة للنمو والاستمرار.

وغالبًا لا تبدأ هذه الظاهرة بصورة واضحة، وإنما من ممارسات صغيرة تتراكم مع الوقت؛ معلومة تتأخر عمن يحتاجها، أو إنجاز لا يُنسب بوضوح إلى صاحبه، أو مسؤولية لا تتحدد إلا بعد وقوع المشكلة، أو قرار غير موثق يقبل أكثر من تفسير، أو خلاف مهني يتحول إلى اصطفافات شخصية. وحين تتكرر هذه الممارسات دون معالجة، فإنها تنتقل تدريجيًا من مستوى السلوك الفردي إلى مستوى الثقافة التنظيمية، وتصبح جزءًا من.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 5 ساعات
منذ ساعتين
منذ ساعتين
منذ 5 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 5 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 7 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 4 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 16 ساعة
صحيفة سبق منذ 8 ساعات
صحيفة عاجل منذ 22 ساعة
صحيفة المواطن السعودية منذ 20 ساعة
صحيفة عكاظ منذ 9 ساعات
صحيفة عاجل منذ 9 ساعات