أثير- أحمد بن محمد الغافري
في منطقتنا التي تتوالد فيها الأزمات، تزداد حاجتنا إلى رؤية الأفق، وإلى سياسة تحمي الحاضر دون أن تفقد قدرتها على صناعة المستقبل، وسلطنة عُمان بموقعها الجغرافي وامتدادها الحضاري والثقافي والتاريخي، وبالنهج الذي اختارته لعلاقاتها مع العالم، تواصل جهودها لتجنيب المنطقة وشعوبها تداعيات الحروب والاختناقات السياسية؛ فالأزمات حين تطول تستنزف الموارد، وتستنزف معها القدرة على تخيّل المستقبل، وتدفع السياسة والاقتصاد والمجتمعات إلى الدوران حول الخطر الداهم، حتى تصبح قرارات الاستثمار وخطط التنمية رهينة انتظار ما ستأتي به الأيام، وحين يتوقف ميناء أو تتعطل حركة السفن، يظهر أثر ذلك، عاجلًا أو آجلًا، في مصنع بعيد، وفي فاتورة غذاء الأسرة، وفي مشروع يتردد صاحبه في المضي فيه.
من هنا، تكتسب التحركات العُمانية أهميتها؛ فهي تحركات دولة تعمل على احتواء اضطراب جوارها، وتواصل في الوقت نفسه توسيع شبكة مصالحها وشراكاتها، وفي هذه القراءة، تبدو الدبلوماسية الاقتصادية والعمل من أجل التهدئة جزأين من مهمة واحدة: حماية قدرة البلاد على التنمية، وتهيئة ظروف أفضل للازدهار المشترك؛ ففتح الأسواق يحتاج إلى طرق آمنة، وجذب الاستثمار يحتاج إلى قدر معقول من الاستقرار، وتنويع الاقتصاد يحتاج إلى شركاء يستطيعون التخطيط لسنوات دون أن تبتلع الأزمات حساباتهم كل بضعة أشهر.
ومن الحضور الدبلوماسي في غرب أفريقيا، مرورًا بالشراكات المتنامية في أنحاء القارة، وصولًا إلى زيارة الدولة التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظّم -حفظه الله ورعاه- إلى كازاخستان، تتشكل ملامح حركة تستثمر في تعدد الخيارات وبناء المصالح المشتركة؛ فالدولة التي تتسع شبكة شركائها تصبح أكثر قدرة على مواجهة المفاجآت، وأقل عرضة لأن تحدد أزمة واحدة حدود مستقبلها.
ولفهم هذه التحركات، ينبغي النظر إلى الخريطة من مسقط؛ فسلطنة عُمان قريبة من بؤر التوتر، ومتصلة بممرات تتجاوز أهميتها حدود المنطقة إلى الاقتصاد العالمي، وقد أكدت السلطنة في كلمتها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026م مواصلة مساعيها لصون الملاحة في مضيق هرمز وفق القانون الدولي، وأشارت إلى أثر الحرب وتعطّل الملاحة والتجارة في أمن الطاقة واستقرار الأسعار والثقة في النظام العالمي، وهذه الخلفية تفسر لماذا يصبح السلام بالنسبة إلى بلادنا ضرورة تتصل مباشرة بحركة الاقتصاد وأمن المجتمع.
في غرب أفريقيا، تحمل الخطوات الدبلوماسية العُمانية معنى التأسيس الهادئ لهذا الامتداد؛ فقد صدر في الثالث من سبتمبر 2026م مرسوم سلطاني بتعيين سفير غير مقيم لدى جمهوريتي بنين وسيراليون، فيما تغطي السفارة العُمانية في داكار علاقات السلطنة مع عدد من دول المنطقة، من بينها غامبيا وغينيا وغينيا بيساو والرأس الأخضر، ويضاف إلى ذلك التصديق، في الرابع من يناير 2026م على اتفاقية الخدمات الجوية مع كوت ديفوار ساحل العاج ، وهي خطوات متفاوتة في طبيعتها، لكنها توفر قنوات يمكن أن تنمو عبرها التجارة والاستثمار والتواصل بين المؤسسات والشعوب.
والقيمة المحتملة لهذا الحضور أن العلاقات الاقتصادية تبدأ قبل الصفقات بوقت طويل؛ تبدأ بمعرفة السوق، وفهم مؤسساتها، والوصول إلى صانع القرار، وتوفير جهة يستطيع المستثمر الرجوع إليها؛ لذلك يستحق توسيع التمثيل الدبلوماسي أن يُقرأ ضمن أدوات صناعة الفرص، فالمسافة تصبح أقل صعوبة حين تتوافر المعرفة والثقة، وتصبح أشد تعقيدًا حين تغيبان، مهما تقاربت الموانئ والمطارات.
وفي بوتسوانا وأنجولا، منحت زيارتا جلالة السلطان في سبتمبر 2026م هذا الانفتاح دفعة على مستوى القيادة؛ ففي بوتسوانا وُقّعت تسع مذكرات اتفاق وتفاهم، شملت مجالات منها ترويج الاستثمار والخدمات الجوية والأمن الدوائي والإمداد الصيدلاني والتعاون في التنقيب التعديني وأمن الطاقة، وتكشف طبيعة هذه المجالات عن اهتمام باحتياجات اقتصادية أساسية تتصل بالإنتاج والخدمات وقدرة الدول على تأمين مقومات نموها.
وفي أنجولا، شملت مخرجات الزيارة خمس اتفاقيات وثماني مذكرات تفاهم وبرنامجًا تنفيذيًا، في مجالات سياسية واقتصادية واستثمارية، وهذه الأطر تمنح العلاقة، بما فيها علاقات مجتمع الأعمال، قاعدة أوسع للعمل. غير أن أثرها الاقتصادي سيتحدد بما ينتقل منها إلى التنفيذ؛ فالزيارة على مستوى القيادة تعبّر عن إرادة سياسية لفتح أبواب التعاون، ثم يأتي دور المؤسسات والشركات في تحويل هذه الإرادة إلى مشروعات وشراكات قابلة للاستمرار.
وقبل الزيارتين السلطانيتين،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة أثير الإلكترونية




