الحد الأدنى للأجور في لبنان.. فجوة المعيشة تصطدم بكلفة الزيادة

تعود قضية الأجور في لبنان إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاجتماعي، مع تصاعد المطالب بتصحيح الرواتب لمواكبة ارتفاع تكاليف المعيشة، في وقت تواجه فيه البلاد تداعيات الحرب مع إسرائيل والضغوط الإقليمية والدولية التي تزيد الأعباء على المؤسسات والمالية العامة.

وبين حد أدنى للأجور يبلغ نحو 312 دولاراً، وتقديرات ترفع الاحتياجات الشهرية إلى 1200 دولار، وصولاً إلى كلفة معيشة تتجاوز 3 آلاف دولار لأسرة من أربعة أفراد، تبدو الفجوة واسعة بين مستويات الدخل والإنفاق الفعلي للأسر اللبنانية.

ولا يبدي خبراء اقتصاد ومال تحدثوا لـ«إرم بزنس» تفاؤلاً كبيراً بإقرار زيادة كبيرة خلال اجتماعات الحكومة ولجنة المؤشر، في ظل تعقيدات اقتصادية داخلية وخارجية. ويطرح بعضهم توجيه المساعدات إلى الشرائح الأكثر فقراً بوصفه خياراً أكثر قابلية للتطبيق في المرحلة الحالية، إلى حين تحسن الظروف الاقتصادية.

1200 دولار.. فجوة بين الحاجة والقدرة على الدفع

عاد الرقم البالغ 1200 دولار إلى النقاش في منتصف أكتوبر الجاري، بعدما نقلت قناة «الجديد» اللبنانية عن وزير العمل محمد حيدر قوله: «نبحث في زيادة الحد الأدنى للأجور، وهناك دراسة تشير إلى أن الحد الأدنى ينبغي أن يكون 1200 دولار، لكن التمويل لهذا الرقم غير متوافر لذلك ننتظر الرقم النهائي من لجنة المؤشر».

رازي الحاج لـ«إرم بزنس»: لا تعافِيَ في لبنان قبل حسم الودائع والمحاسبة

ويكشف تصريح الوزير عن التباين بين تقدير الاحتياجات المعيشية من جهة، والقدرة الاقتصادية على تمويل الزيادة من جهة أخرى. فالوصول إلى الحد الأدنى المقترح يتطلب رفع الأجر الحالي بأكثر من ثلاثة أضعاف، وهو ما يضع المؤسسات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، أمام تحديات تتعلق بكلفة التشغيل والسيولة والقدرة على الاستمرار.

وفي اليوم نفسه، تحدثت صحيفة «المدن» اللبنانية عن مقترح لرفع الحد الأدنى للأجور إلى 500 دولار، مع وجود تحفظات على اعتماد 1200 دولار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة والضغوط التي تواجه أرباب العمل.

في المقابل، يطالب الاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين بحد أدنى يبلغ 1500 دولار، إلى جانب سلم متحرك للأجور يربط الرواتب بكلفة المعيشة، بما يسمح بتعديلها عند ارتفاع الأسعار بدلاً من انتظار جولات متباعدة من المفاوضات.

وكان من المتوقع أن تجتمع لجنة المؤشر خلال الأسبوع الأخير من أكتوبر، مع احتمال تأجيل الاجتماع إذا لم تتوصل أطراف الإنتاج إلى رقم وسطي يتيح التوافق على صيغة جديدة للأجور.

وتشير التطورات الأحدث إلى استمرار التعثر؛ إذ أفادت «لبنان إيكونومي» في 16 أكتوبر بأن المفاوضات لم تحقق تقدماً ملموساً، وأن أصحاب العمل يتمسكون بمحدودية قدرتهم على تحمل الزيادات، في ظل الخسائر الناجمة عن الحرب وارتفاع أسعار الطاقة وكلفة التشغيل. وبحسب التقرير، لم يُحسم حتى ذلك التاريخ مقدار الزيادة أو الأسس التي ستُعتمد لاحتسابها.

كلفة معيشة تتجاوز 3 آلاف دولار

لا تنفصل المفاوضات الحالية عن جولات سابقة لم تنجح في ردم الفجوة بين الأجور والإنفاق. ففي عام 2025، اقترحت الهيئات الاقتصادية رفع الحد الأدنى للأجور إلى 300 دولار، فيما طالب الاتحاد العمالي العام بـ550 دولاراً. وانتهى الخلاف بإقرار مجلس الوزراء الحد الأدنى عند 28 مليون ليرة لبنانية، بما يعادل 312 دولاراً آنذاك.

لكن استمرار الضغوط المعيشية أعاد فتح الملف، مع اتساع الفارق بين الرواتب وتكاليف السكن والتعليم والصحة والكهرباء والنقل.

وفي تقرير نشرته صحيفة «النهار» اللبنانية في 12 أكتوبر الجاري، قُدّرت كلفة المعيشة لأسرة لبنانية من أربعة أفراد بأكثر من 3 آلاف دولار شهرياً. واستند التقدير إلى نموذج أسرة تضم والدين وطفلين، تقيم في منزل مستأجر، ويستخدم أفرادها سيارة، ويلتحق الطفلان بمدرسة خاصة متوسطة الكلفة.

ولا يعني هذا الرقم أن جميع الأسر تتحمل النفقات نفسها؛ إذ تختلف الكلفة بحسب المنطقة الجغرافية، وطبيعة السكن، وعدد أفراد الأسرة، ومستوى الخدمات التي تحصل عليها. لكنه يوضح حجم الضغوط التي تواجه الأسر التي تعتمد أساساً على الرواتب لتغطية نفقاتها.

وفي مؤشر إضافي إلى تراجع أوضاع العاملين، أشارت وسائل إعلام لبنانية إلى مسح أجرته منظمة العمل الدولية في مايو 2026، شمل 2,485 عاملاً في القطاع الخاص من مختلف المحافظات والقطاعات والجنسيات، وقدّر انخفاض متوسط دخل العمل بنسبة 40.4% عند احتساب فقدان الوظائف وتراجع المداخيل معاً.

وتعكس هذه المؤشرات أن الأزمة لا تقتصر على قيمة الحد الأدنى للأجور، بل تمتد إلى سوق العمل نفسه، حيث تتداخل خسارة الوظائف وتراجع المداخيل وارتفاع النفقات في تقليص القدرة الشرائية للأسر.

لبناني يرعض مأكولا للبيع على كشك متنقل، بيروت -4 أبريل 2022

انكماش اقتصادي وتضخم يضغطان على الأجور

ترى الباحثة الاقتصادية اللبنانية محاسن مرسل، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن النقاش بشأن الحد الأدنى للأجور يعكس اتساع التباين بين المطالب الاجتماعية والقدرة الاقتصادية على الاستجابة لها.

وتشير مرسل إلى أن الحد الأدنى الحالي، البالغ 312 دولاراً، يأتي في وقت تتداول فيه مطالب بزيادته إلى 800 دولار، فيما تشير تقديرات منسوبة إلى وزير العمل إلى أن الأجر اللازم لتأمين مستوى معيشة كريم يبلغ 1200 دولار، وتضع تقديرات أخرى احتياجات الأسرة عند نحو 3 آلاف دولار لتغطية تكاليف المعيشة والسكن والكهرباء والتعليم والصحة.

وتتوقع الباحثة أن تواجه الزيادات الكبيرة اعتراضاً من الهيئات الاقتصادية، في ظل انكماش اقتصادي بلغ نحو 7%، وفق تقديرها، وتداعيات الحرب التي أدت إلى إقفال مؤسسات وتراجع النشاط الاقتصادي.

وتلفت إلى غياب سياسات مستدامة لتصحيح الأجور بما يتناسب مع التضخم، مشيرة إلى معدلات تضخم تصل إلى 17%، في حين تتحدث دراسات أخرى عن ارتفاع الأسعار بنسبة 77% خلال ثلاث سنوات، وهو ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.

وبناءً على هذه المعطيات، ترى أن الوصول إلى حد أدنى للأجور يبلغ 1200 دولار «يُعد أمراً مستحيلاً في ظل المعطيات الراهنة»، متوقعة أن تتراوح الرواتب بين 500 دولار و800 دولار كحد أعلى.

زيادة الأجور وحدها لا تضمن تحسن القدرة الشرائية

من جانبه، يرى الباحث الاقتصادي وخبير المخاطر المصرفية في لبنان، الدكتور محمد فحيلي، في حديث لـ«إرم بزنس»، أن المشكلة تتجاوز قيمة الراتب الاسمية، إذ يذهب جزء كبير من دخل العامل إلى الرسوم والضرائب وكلفة الخدمات العامة، ما يقلص المبلغ المتبقي للاستهلاك والإنفاق الأسري.

ويضيف أن الضغوط التضخمية المرتبطة بالحرب في المنطقة منذ نهاية فبراير الماضي، والتوترات المحيطة بمضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، تزيد الأعباء على الاقتصاد اللبناني.

ويشير فحيلي إلى أن لبنان يستورد 70% من استهلاكه ومواده الأولية، ما يجعله عرضة لانتقال التضخم الخارجي إلى السوق المحلية عبر أسعار السلع والمواد المستوردة. وفي ظل ضعف الموارد المتاحة للدولة وغياب الرقابة الكافية، تتزايد مخاطر الاحتكار وارتفاع الأسعار.

ويحذر من أن تعديل الرواتب بمعزل عن السياسات الاقتصادية الأخرى قد لا يحقق تحسناً مستداماً في مستويات المعيشة، قائلاً إن أي تعديل بالأجور «إذا لم يترافق مع سياسات نقدية ومالية واقتصادية واعية، واضحة، وشفافة، لن يحسن القدرة الشرائية بل سيؤدي إلى مضاعفة الضغوطات التضخمية بدلاً من مضاعفة القدرات الشرائية لأصحاب الرواتب والأجور».

«النقد الدولي»: لبنان بحاجة إلى مواصلة التقدم للاتفاق على برنامج

خيارات الحكومة محدودة

تتزامن أزمة الأجور مع اختلالات هيكلية في الاقتصاد اللبناني تحد من قدرة الدولة على توسيع الإنفاق وتحفيز النشاط الاقتصادي.

ففي 24 يونيو الماضي، قال وزير الصناعة اللبناني جو عيسى الخوري، خلال مؤتمر صحفي، إن لبنان يسجل أعلى عجز تجاري هيكلي في العالم نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي، بمعدل 34.5% سنوياً، مقارنة بنسبة تتراوح بين 3% و6% في الولايات المتحدة.

وأوضح أن لبنان استورد ما قيمته 21 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز 3.5 مليارات دولار، ما أسفر عن عجز تجاري بقيمة 17 مليار دولار.

ويعكس هذا الفارق اعتماد الاقتصاد على الواردات وضعف قدرته على توليد إيرادات من الصادرات، وهو ما يزيد تعرضه للصدمات الخارجية وتقلبات أسعار الطاقة والنقل والسلع الأساسية.

وفي السياق نفسه، توقع وزير المالية اللبناني ياسين جابر أن ينكمش الاقتصاد بين 7% و10% خلال عام 2026 بسبب الحرب، مع احتمال وصول الأضرار إلى 20 مليار دولار.

وتتسق هذه المخاطر مع تقديرات البنك الدولي الصادرة في أغسطس 2026، التي رجحت انكماش الاقتصاد اللبناني بنسبة 6.4% خلال العام، بعدما عرقلت المواجهات العسكرية مسار التعافي الذي شهده الاقتصاد في 2025. كما توقع البنك ارتفاع التضخم إلى 17.5% في 2026، مدفوعاً باضطرابات الإمدادات وارتفاع تكاليف الشحن وأسعار النفط.

وفي غياب نمو اقتصادي مستدام وإصلاحات مالية ونقدية، لا تبدو زيادة الأجور وحدها كافية لمعالجة أزمة المعيشة. فالمعادلة الأكثر استدامة تتطلب الجمع بين تصحيح الرواتب، وتحسين الإنتاجية، وتخفيف كلفة الخدمات الأساسية، وتعزيز الرقابة على الأسواق، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية، بما يسمح بتحويل الزيادة الاسمية في الدخل إلى تحسن فعلي في القدرة الشرائية.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 3 ساعات
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 39 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 4 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ ساعتين
الشرق بلومبرغ منذ ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 5 ساعات
صحيفة الاقتصادية منذ ساعة
قناة CNBC عربية منذ 3 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 21 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 4 ساعات