كاتب وباحث في الشأن السياسي
ما تزال الأمور في العراق تُدار وفق واقع المحاصصة السياسية والتوزيع الحزبي للمناصب والأدوار، وهو واقع أفرزته تجربة ديمقراطية لم نصل، أنا وكثيرون غيري، إلى فهم حدودها الحقيقية. فهل تقوم فلسفة التمثيل السياسي على ضمان حضور الأحزاب في السلطة، أم على وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، باعتبار أن الغاية الأساسية من المشاركة السياسية هي خدمة الدولة والمكونات التي تمثلها تلك الأحزاب؟
غير أن الممارسة تكشف أحياناً عن صورة مختلفة، يبدو فيها الظفر بالمنصب جوهر الانتماء الحزبي، وكأن المسؤولية تحولت من واجب وطني إلى مكافأة سياسية لمن أثبت ولاءه التنظيمي أو بلغ غاياته داخل الحزب، بصرف النظر عن مؤهلاته. وهنا تظهر إشكالية تتصل بطبيعة الشرعية السياسية، فالاستحقاق الانتخابي يمنح الحزب حق المشاركة في الحكم، لكنه لا يمنح مرشحيه حصانة من معايير الكفاءة والمساءلة.
وليس سراً القول إن هذه التفسيرات أنهكت الأحزاب قبل أن تُنهك مؤسسات الدولة، وأضعفت قيمة التمثيل السياسي وثقة المواطن بالعملية الديمقراطية. فقد اختُزلت المحاصصة، في جانب من ممارساتها، بسؤال: من سيصل، وما حصته؟ بينما تراجع السؤال المتعلق بقدرته على الإدارة والإنجاز. وبذلك نشأت فجوة بين شرعية الوصول إلى السلطة ومشروعية الأداء فيها، وهي فجوة لا تعالجها التفاهمات السياسية وحدها.
المشكلة لا تكمن في الانتماء الحزبي، فالأحزاب ركيزة أساسية في الأنظمة التعددية، وإنما في تحول الولاء إلى معيار يتقدم على الجدارة المؤسسية. فالمسؤولية العامة ليست امتيازاً تنظيمياً، بل تفويض مقيد بالقانون والمصلحة العامة، ومن يتولاها يصبح خاضعاً لمبدأ المساءلة الديمقراطية، لا لرضا الجهة التي رشحته وحدها. فالدولة لا يمكن أن تُدار بمنطق المكافآت، كما أن المؤسسات لا ينبغي أن تتحول إلى امتداد للمصالح التنظيمية.
ومن هنا تبرز أهمية المأسسة الحزبية، بوصفها عملية بناء تنظيمات تمتلك قواعد واضحة لإعداد القيادات وتداول المسؤوليات وتقييم الأداء. فالحزب الذي يطمح إلى إدارة الدولة مطالب أولاً بتطوير رأس ماله البشري، عبر تأهيل كوادر متخصصة في الاقتصاد والقانون والإدارة والسياسات العامة، بدلاً من الاكتفاء بالتدرج التنظيمي أو القرب من مراكز القرار. فالمشاركة في الحكم لا تبدأ بالتفاوض على الوزارات، وإنما بالقدرة على تقديم شخصيات مؤهلة لإدارتها.
ولا خلاف على أن الولاء والإخلاص يمثلان ركيزتين في التماسك التنظيمي، لكنهما لا يتعارضان مع الكفاءة، بل يفترض أن يتكاملا معها. فالولاء يحفظ وحدة الأهداف، والكفاءة تمنح تلك الأهداف أدوات التنفيذ. أما الفصل بينهما فيفتح.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
