تبدو الصين، للوهلة الأولى، في موقع يؤهلها للهيمنة على استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المصانع، بفضل مكانتها بوصفها القوة الصناعية الأكبر عالمياً، واقتراب أنظمتها للذكاء الاصطناعي من مضاهاة أداء أبرز منافسيها الأميركيين، فضلاً عن وضع بكين الذكاء الاصطناعي الصناعي على رأس أولوياتها الوطنية لدعم النمو الاقتصادي.
لكن أوروبا لديها خطط أخرى، إذ تسعى تكتلاتها الصناعية العريقة أيضاً إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لقيادة المرحلة المقبلة من أتمتة المصانع. وتراهن شركات مثل "سيمنز" (Siemens) و"إيه بي بي" (ABB) و"شنايدر إلكتريك" (Schneider Electric) على ما تمتلكه من بيانات إنتاج ضخمة لفرض هيمنتها على هذا المجال المربح، بعدما أخفقت القارة في تطوير روبوتات محادثة رائدة عالمياً مثل "ديب سيك" (DeepSeek) و"كلود" (Claude).
وإذا نجحت هذه الرهانات، فستتمكن الشركات الأوروبية العريقة من تزويد الجيل المقبل من المصانع القائمة على البيانات بالتقنيات اللازمة، مع تحصين قواعد عملائها أمام المنافسين الجدد الذين يركزون في التكنولوجيا، فضلاً عن تقليص اعتماد أوروبا تكنولوجياً واقتصادياً على الولايات المتحدة والصين.
ما أهمية هذا السباق؟ يُتيح توظيف الذكاء الاصطناعي في تصميم السلع وتصنيعها ونقلها زيادة الإنتاج بعدد أقل من العمال، مع تقليص فترات توقف المصانع والحد من الهدر. وتراهن الحكومات على هذه التقنية لمعالجة نقص العمالة، وتحفيز النمو الاقتصادي، والحفاظ على حصة أكبر من الإنتاج داخل أسواقها المحلية.
فقد طُوّر الجيل الجديد من منصات الذكاء الاصطناعي، المعروفة بالنماذج اللغوية الكبيرة، في الغالب على أيدي شركات ناشئة أميركية وصينية، مثل "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"أنثروبيك" (Anthropic) و"ديب سيك" (DeepSeek). لكن عدداً كبيراً من الشركات الأكثر قُدرةً على دمج الذكاء الاصطناعي في آليات الإنتاج حول العالم هي الشركات التي تصنع هذه المعدات وتتولّى صيانتها، أي الشركات الصناعية العريقة الراسخة في السوق.
أنفقت المجموعات الصناعية أكثر من 110 مليارات دولار منذ عام 2020 للاستحواذ على شركات برمجيات بهدف تعزيز قدراتها في الذكاء الاصطناعي، وفق "غولدمان ساكس".
وتراهن هذه المجموعات على أن السبق في تبني التقنية سيمنحها موطئ قدم راسخاً داخل أنظمة التصنيع التي يصعب استبدالها. فتغيير برمجيات المصانع لا يماثل إلغاء الاشتراك في روبوت محادثة، بل قد يستلزم شراء معدات جديدة، وإعادة تدريب الكوادر، وإعادة تصميم العمليات الإنتاجية، وقد تُبقي مثل هذه الالتزامات المصانع مرتبطة بالتقنية نفسها لسنوات.
كيف تتشكل ملامح المنافسة؟ تستحوذ الصين على نحو 30% من الإنتاج العالمي للسلع، بقيمة تبلغ 4.7 تريليون دولار سنوياً، فيما تعهّدت بكين بتسخير الذكاء الاصطناعي لتحديث قاعدتها الصناعية. وركّبت الشركات الصينية نحو 60% من الروبوتات الصناعية الجديدة عالمياً خلال العام الماضي، وفق الاتحاد الدولي للروبوتات، بينما تمنح الحكومة أولوية للتوسع في استخدام التقنية عبر برنامج "الذكاء الاصطناعي + التصنيع".
غير أن تحول الصين إلى مصنع العالم يُعد ظاهرة حديثة نسبياً، إذ تتفاوت جودة مصانعها بدرجة كبيرة، مع استمرار اعتماد منشآت عديدة على العمالة اليدوية بكثافة. في المقابل، بدأت أوروبا استخدام الروبوتات ورقمنة التصنيع منذ فترة أطول، باعتبارها وسيلة للتعامل مع ارتفاع تكاليف العمالة بالمنطقة. كما أن نسبة كبيرة من المعدات المستخدمة في المصانع حول العالم صُنعت في أوروبا. وتقول "سيمنز" الألمانية، على سبيل المثال، إنها وفّرت واحداً من كل ثلاثة أنظمة تحكم بالمصانع مستخدمة عالمياً.
وهذا يعني أن الشركات الأوروبية تمتلك قدراً كبيراً من البيانات اللازمة لتطوير أفضل الأنظمة الصناعية القائمة على الذكاء الاصطناعي. وتتفوق هذه الشركات بشكل خاص في توظيف هذه البيانات للتنبؤ بأعطال المعدات، وتحسين جودة المنتجات، ورفع كفاءة الآلات الحالية، بحسب أنطونيا حميدي، من "معهد ميركاتور للدراسات الصينية".
ورغم الحضور الراسخ للمجموعات الصناعية الأوروبية في المصانع العالمية، تمتلك الشركات الأميركية أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً، وتسعى إلى توسيع تطبيقاتها في العالم الواقعي.
وتتمتع شركة "إنفيديا"، ومقرها سانتا كلارا في كاليفورنيا، بتفوق كاسح في مجال رقائق الذكاء الاصطناعي، إذ يستخدم جميع المصنعين الذين يطورون الذكاء الاصطناعي الصناعي تقريباً معداتها لتدريب الروبوتات وتسريع عمليات المحاكاة.
كما تجتذب الشركات الأميركية الناشئة بهذا المجال تقييمات مرتفعة، من بينها "بروميثيوس" (Prometheus)، التي شارك في تأسيسها جيف بيزوس وفيك باجاج، وجمعت تمويلاً بقيمة 12 مليار دولار في يونيو لتطوير ما تطلق عليه "المهندس العام الاصطناعي".
ما هي التحديات؟ يُعدّ تصميم روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي أمراً يسيراً نسبياً لمن يمتلك القدرة على استقطاب أفضل مهندسي البرمجيات في العالم. ففي الواقع، باتت بعض النماذج اللغوية الكبيرة قادرة على إنتاج نسخ أكثر تطوراً من نفسها، في عملية تُعرف باسم "التحسين الذاتي التكراري".
لكن توظيف قدرات الذكاء الاصطناعي في العالم المادي أكثر تعقيداً، إذ يتعين على الأنظمة المستخدمة في تصميم الرقائق الإلكترونية، أو ضبط إعدادات الآلات، أو تحريك الروبوتات، الالتزام بقوانين الفيزياء والعمل ضمن حدود المعدات التي تتحكم فيها. فأي أوامر خاطئة على خط الإنتاج قد تتسبب في إتلاف المعدات، أو إفساد آلاف المنتجات، أو حتى إصابة العمال في أسوأ الحالات.
وبينما دُرّبت روبوتات المحادثة على كميات هائلة من النصوص والصور والأكواد البرمجية المتاحة عبر الإنترنت، يتطلب الذكاء الاصطناعي المستخدم في المصانع معلومات أكثر تخصصاً، تشمل قراءات أجهزة الاستشعار في الآلات والرسومات الهندسية وسجلات الإنتاج ومقاطع فيديو للعمال وبيانات توضح سلوك المعدات عند حدوث خلل. ولم يُجمع جانب كبير من هذه البيانات من قبل، فيما لا يزال بعضها متاحاً على الورق فقط، وتخضع أجزاء واسعة منها لملكية خاصة بالشركات.
على مدى أكثر من عقد، سعت ألمانيا، القوة التصديرية الأكبر في أوروبا، إلى دفع الشركات نحو رقمنة مصانعها وربطها عبر برنامج "الصناعة 4.0"، لكن كثيراً منها لا يزال يواجه صعوبات في استيفاء المتطلبات الأساسية.
وبحسب دراسة أجرتها "بيتكوم" (Bitkom)، تقر نحو نصف الشركات الصناعية الألمانية بافتقارها إلى البنية التحتية التقنية اللازمة لاستخدام "التوائم الرقمية" في اختبار الآلات الجديدة، أو محاكاة خطوط إنتاج كاملة افتراضياً قبل تصنيع المعدات.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من الشرق بلومبرغ



