الرسوم الجمركية تتحول إلى عبء سياسي على ترامب وتهدد إرثه الاقتصادي

تحولت الرسوم الجمركية، التي وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ذات يوم بأنها «أجمل كلمة في القاموس»، إلى واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية إثارةً للرفض في الأوساط السياسية الأميركية، بعدما اصطدمت سياساته التجارية بمخاوف الناخبين المتزايدة بشأن ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، اليوم الجمعة، فإن تراجع التأييد الشعبي للرسوم الجمركية لا يهدد فرص الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس فحسب، بل يثير تساؤلات بشأن قدرة ترامب على ترسيخ التحولات التي أحدثها في السياسة التجارية الأميركية خلال ولايته الثانية.

وبات الديمقراطيون يستخدمون الرسوم الجمركية بصورة متكررة في حملاتهم الانتخابية لمهاجمة السياسات الاقتصادية للإدارة الأميركية، بينما يتجنب معظم المرشحين الجمهوريين الخوض في هذه القضية.

ومن الاستثناءات البارزة المرشح الجمهوري لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، مايك روجرز، الذي دعا في إعلان انتخابي إلى إنهاء الحرب التجارية، ممسكاً بزجاجة بيرة كندية تأثرت بالتوترات التجارية بين واشنطن وأوتاوا.

صادرات كندا إلى الولايات المتحدة تقفز 8.1% قبل بدء الرسوم الجديدة

انقلاب في المزاج الشعبي

لم يكن هذا التحول متوقعاً، إذ لطالما اعتبر اقتصاديون أن السياسات الحمائية، رغم تكلفتها الاقتصادية، تتمتع بجاذبية سياسية، نظراً إلى أن فوائدها تتركز في قطاعات صناعية وعمالية محددة، بينما تتوزع تكاليفها على المستهلكين بصورة يصعب ملاحظتها مباشرةً.

وقبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض، كانت استطلاعات الرأي تظهر مواقف متوازنة نسبياً تجاه الرسوم الجمركية. ففي استطلاع أجرته «وول ستريت جورنال» في أغسطس 2024، بلغت نسبة المؤيدين للرسوم الجمركية 47%، مقابل 40% من المعارضين.

لكن الاتجاه تغير بعدما فرض ترامب رسوماً على الواردات من الصين وكندا والمكسيك، قبل توسيع نطاقها في أبريل 2025 لتشمل معظم الشركاء التجاريين للولايات المتحدة.

وأظهرت نتائج استطلاع أجرته مؤسستا «إيكيلون إنسايتس» و«إيكونوميك إنوفيشن غروب» تحولاً لافتاً حتى بين العمال الذين كان يُفترض أن يستفيدوا من الحماية التجارية.

فبعدما سجلت الرسوم الجمركية صافي تأييد بلغ 3 نقاط مئوية بين العمال ذوي المهن اليدوية في أغسطس 2025، تحولت النتيجة إلى صافي معارضة بلغ 22 نقطة مئوية في سبتمبر 2026.

ويعكس هذا التحول اتساع الفجوة بين الأهداف الصناعية التي تسعى إليها الإدارة الأميركية وأولويات المستهلكين الذين يضعون الأسعار وتكاليف المعيشة في مقدمة اهتماماتهم.

التضخم يطغى على السياسة التجارية

يرى التحليل أن أجندة ترامب التجارية اصطدمت مباشرةً بمخاوف الأميركيين بشأن التضخم، ما جعل الرسوم الجمركية تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية السياسية عن ارتفاع الأسعار. ووفقاً لاستطلاع «إيكيلون»، يحمل الأميركيون الرسوم الجمركية مسؤولية تفاقم التضخم بدرجة أكبر من الحرب مع إيران.

غير أن التأثير الفعلي للرسوم على الأسعار أكثر تعقيداً مما توحي به الانطباعات الشعبية. فعلى سبيل المثال، لم ترتفع أسعار السيارات الجديدة بصورة كبيرة منذ تولي ترامب منصبه، رغم فرض رسوم تصل إلى 25% على السيارات المستوردة؛ إذ تحمّلت الشركات المصنعة جزءاً من التكاليف بدلاً من تمريرها بالكامل إلى المستهلكين.

كما أن بعض الدراسات التي رصدت ارتفاعاً في الأسعار نتيجة الرسوم الجمركية استندت إلى مقارنة الأسعار الفعلية بمستويات افتراضية كان يُفترض أن تنخفض إليها في غياب تلك الرسوم.

وقال سكوت لينسيكوم، الباحث في معهد «كاتو» والمعارض للسياسات الحمائية، إن ترامب تبنى سياسة تؤدي إلى رفع الأسعار في وقت بلغت فيه حساسية المستهلكين تجاه تكاليف المعيشة مستويات مرتفعة.

ويرى لينسيكوم أن توقيت فرض الرسوم وطريقة تطبيقها أسهما في زيادة الرفض الشعبي لها، بصرف النظر عن حجم تأثيرها المباشر في التضخم.

تجربة بايدن تتكرر بصورة معاكسة

يشير تحليل الصحيفة إلى أن ترامب يواجه تحدياً سياسياً يشبه ما واجهه سلفه جو بايدن مع سياسات مكافحة تغير المناخ. فقد جعل بايدن خفض الانبعاثات الكربونية محوراً أساسياً في برنامجه الاقتصادي، وخصص استثمارات ضخمة للطاقة المتجددة من خلال قانون خفض التضخم الذي أقره في 2022.

لكن ارتفاع أسعار الطاقة عقب جائحة كورونا والغزو الروسي لأوكرانيا، إلى جانب تأثيرات برامج التحفيز الاقتصادي، أدى إلى تراجع اهتمام الناخبين بالقضايا المناخية لمصلحة المخاوف المرتبطة بالتضخم.

واستغل ترامب هذا التحول لمهاجمة سياسات بايدن البيئية والترويج للوقود الأحفوري.

وبالمثل، أصبحت الرسوم الجمركية اليوم مرتبطة في أذهان شريحة متزايدة من الأميركيين بارتفاع الأسعار، حتى إن كانت العلاقة الاقتصادية المباشرة أكثر تعقيداً.

من الساعات السويسرية إلى السيارات الألمانية.. درس في مواجهة الصين

قرارات ترامب تعمق الانقسام

بموجب الدستور الأميركي، يمتلك الكونغرس سلطة فرض الرسوم الجمركية، لكنه يفوض الرئيس بممارسة بعض هذه الصلاحيات في ظروف محددة.

ويرى منتقدو سياسة ترامب أنه كان بإمكانه الحصول على دعم من الحزبين لو طلب من الكونغرس فرض رسوم انتقائية على الصين أو على صناعات استراتيجية حساسة.

لكنه اختار فرض الرسوم وإلغاءها بصورة متكررة، مستهدفاً الخصوم والحلفاء على حد سواء، وهو ما أثار اعتراضات سياسية وقانونية، بما في ذلك انتقادات قضائية بارزة.

وبحسب لينسيكوم، فإن ارتباط هذه القرارات المباشر بشخص ترامب جعل الرسوم الجمركية أكثر إثارةً للانقسام الحزبي مقارنةً بولايته الأولى، وأسهم في زيادة معارضة الديمقراطيين والمستقلين لها.

وتكشف بيانات الإعلانات الانتخابية عن حجم هذا التحول.

فوفقاً لتحليل أجرته «وول ستريت جورنال» لبيانات شركة «آد إمباكت»، لم تكن الرسوم الجمركية محوراً رئيسياً في إعلانات الديمقراطيين خلال انتخابات 2018 و2020، بل ظهرت أحياناً بصورة إيجابية.

أما في انتخابات التجديد النصفي لعام 2026، فقد أنفق الديمقراطيون نحو 2.28 مليون دولار على إعلانات تنتقد الرسوم الجمركية والسياسات الحمائية في سباقات مجلس النواب، بينما لم يرصد التحليل إنفاقاً جمهورياً على إعلانات تتناول القضية خلال الفترة المشمولة بالبيانات.

هل يستطيع الديمقراطيون إلغاء الرسوم؟

قد يحدد التحول في الرأي العام مستقبل السياسة التجارية الأميركية إذا تمكن الديمقراطيون من السيطرة على أحد مجلسي الكونغرس أو كليهما في انتخابات نوفمبر المقبل.

الصين وأميركا تتفقان على خفض الرسوم الجمركية على سلع بـ60 مليار دولار

وسبق للديمقراطيين أن صوتوا لمصلحة إلغاء بعض الرسوم الجمركية أو تقييد صلاحيات ترامب التجارية، لكنهم لم يتمكنوا من تجاوز معارضة الجمهوريين.

ودعا النائب الديمقراطي المعتدل جيك أوشينكلوس، الذي يسعى لإعادة انتخابه في ماساتشوستس، إلى إلغاء الرسوم الجمركية والتخلي عن السياسة الصناعية التي يتبناها ترامب، مع تعزيز التجارة الحرة مع الدول الحليفة، باستثناء الصين وروسيا.

كما أعلن زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب، حكيم جيفريز، أن حزبه سيسعى إلى إلغاء الرسوم إذا تولى السيطرة على المجلس، من دون تحديد الرسوم المستهدفة أو الآليات التشريعية اللازمة لذلك.

ومع ذلك، يظل إلغاء هذه الإجراءات معقداً؛ نظراً إلى قدرة ترامب على استخدام حق النقض ضد التشريعات التي تحد من صلاحياته.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 8 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 3 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 12 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 39 دقيقة
الشرق بلومبرغ منذ 5 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 11 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 13 ساعة
قناة العربية - الأسواق منذ 14 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 7 ساعات
قناة CNBC عربية منذ 17 ساعة