استطاع ابن خلدون أن يحجزَ لنفسه مكانةً مرموقة في تاريخ الفكر الإنساني، وحظي على امتداد القرون بالاعترافِ العالمي به رائداً ومؤسساً لعلمِ الاجتماع، وبقي ما قدَّمه من نظريات ورؤى صحيحاً وقادراً على تفسير الظواهر الاجتماعية المعاصرة، ولا نزالُ نعودُ إلى «مقدمته» الفذة لفهم كثيرٍ من أشكال السلوك التي تواجهنا في يومنا هذا. ورغم أنه لم يستخدم حرفياً مصطلحات علم النفس الحديث كـ«الإسقاطِ النفسي» أو «الحيل الدفاعية»، فقد صاغ بدقةٍ الدوافعَ التي تُحرّك النفوس المأزومة وأنماطَ استجابتها للفشل، ولا سيما عندما تصطدم بنجاح الآخرين.
وتُثبت هذه القراءةُ الخلدونية لسلوك الأفراد والجماعات فاعليتَها وصدقها عند تطبيقها على ما نشهده في الواقع العربي الحالي، وخاصة على منصة «إكس» التي تزدحمُ بحملاتٍ منظمة وهجمات تتعرض لها دولة الإمارات العربية المتحدة من جانب جماعات «الذباب الإلكتروني»، وتُنتهك فيها كل القيم الإنسانية والثوابت الأخلاقية بالاعتماد على خليط من التضليل والبذاءات والأكاذيب التي لا تثبت أمام أي تمحيص.
ويفسّر التأصيل الخلدوني لسيكولوجية إلقاء الفشل على الآخرين السلوكيات الناجمة عن الشعور بالعجز والتعثر الفردي أو الجماعي من خلال عدد من المفاهيم، أولها أن «المغلوب مولع أبداً بتقليد الغالب»، أو ما يمكن تسميته «عقدة النقص والهروب»، حيث يرى العالم العربي الكبير أن النفس البشرية تقع فريسة للانكسار الداخلي إذا تملّكها شعور بالقهر أو الضآلة أمام طرف متفوق، وأن الشخص الفاشل أو المجتمع الفاشل يفقد القدرة على مواجهة الحقيقة، ويحاول حماية ذاته المهتزة من خلال إسقاط عجزه على الآخرين.
والمفهوم الثاني هو «العصبية» والتعصب للذات، فالبشر أفراداً وجماعات يميلون إلى تبرير أخطائهم بهدف الحفاظ على المكانة. وحين تتجلى إخفاقاتهم ويتفاقم فشلهم، فإنهم يرفضون الاعتراف بالواقع ويتعامون عن تراكم أوجه الخلل والضعف، ليكون اتهام الناجحين وتشويه إنجازاتهم هو وسيلتهم لتبرئة الذات والحفاظ على شعور زائف بالتفوق.
وثالث هذه المفاهيم هو «فساد العمران» و«أخلاق الاتكال»، إذ يقدم ابن خلدون تحليلاً لطبيعة أجيال الترف والدعة، التي يغلب عليها ضعف القدرة على التحمل والعمل الجاد، وطغيان الكسل والاستسهال، فالإنسان الذي اعتاد هذا النمط من العيش حين يُصدم بقسوة النتائج، يبحث عن مبررات خارجية، كالحظ أو المؤامرة، لتعويض عجزه، والهروب من مواجهة الحقيقة، وتجنُّب مشاق التغيير وإصلاح الذات.
وعند تطبيق هذه المفاهيم الخلدونية على ظاهرة الهجوم الرقمي على دولة الإمارات على منصة «إكس»، يتضح أن هذا السلوك ليس حراكاً نقدياً، بل «حالة تعويضية» تُصرَّف فيها شحنات الأحقاد. ففي ظل انكسار النفس أمام نجاح الآخرين، أو ما يمكن تسميته «المرآة القاسية»، يُستسهل إسقاط الفشل على الخارج، بدلاً من مراجعة أسباب التعثر المحلي في بعض البيئات،.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الاتحاد الإماراتية
