يعيد مقترح لضخ ملياري دولار في الاقتصاد اللبناني طرح السؤال بشأن قدرة التمويل على تشغيل الطاقات الإنتاجية المعطلة، بعد سنوات من الانكماش الائتماني الذي أعقب الأزمة المصرفية.
لكن المقترح لا يزال ورقة عمل غير معتمدة، فيما نفى مصرف لبنان علمه بها أو موافقته على تمويلها؛ ما يجعل مصدر الأموال العقبة الأولى أمام انتقالها من الحسابات النظرية إلى التنفيذ.
وتقترح الورقة، تقسيم التمويل بالتساوي بين الشركات والمستهلكين، ويخصص مليار دولار للمؤسسات، منها 700 مليون دولار لرأس المال العامل و300 مليون دولار لتحديث الآلات، بينما يوجه المليار الآخر إلى قروض السيارات والإنفاق الشخصي.
وتفترض الخطة أن ضخ هذه السيولة يمكن أن يولد نشاطاً اقتصادياً بقيمة 2.95 مليار دولار وإيرادات حكومية إضافية تصل إلى 574 مليون دولار في السنة الأولى. غير أن هذه النتائج تستند إلى افتراضات معدّي الورقة بشأن سرعة دوران الأموال والاستيراد والضرائب والسداد، وليست عوائد مضمونة.
خطة قطرية لكهرباء لبنان.. كيف تُضمن عوائد المستثمرين؟
تمويل المصانع القائمة أسرع من بناء طاقات جديدة
يمثل رأس المال العامل الجزء الأكثر ارتباطاً بزيادة الإنتاج في الأجل القصير، لأنه يمول شراء المواد الخام والأجور والطاقة والنقل بين بدء دورة التصنيع وتحصيل قيمة المبيعات. ويمكن للمصانع التي تمتلك معدات غير مستغلة وطلبيات قابلة للتنفيذ رفع إنتاجها دون بناء منشآت جديدة، إذا كان نقص السيولة هو العائق الأساسي أمامها.
أما تخصيص 300 مليون دولار لتحديث الآلات، فيستهدف المصانع التي تواجه اختناقات تقنية أو ارتفاعاً في تكلفة الطاقة والصيانة. لكن هذه القروض تحتاج إلى آجال سداد أطول من تمويل التشغيل، لأن العائد من المعدات يتحقق تدريجياً عبر زيادة الإنتاجية أو تقليل التكاليف.
وتستند الورقة إلى مسوح ميدانية تفيد بأن الصناعة اللبنانية تعمل بنحو 50% من طاقتها المركبة. إلا أن هذه النسبة ليست مؤشراً رسمياً حديثاً يغطي جميع القطاعات، وقد تختلف معدلات التشغيل بصورة كبيرة بين الصناعات الغذائية والكيميائية والمعدنية وغيرها.
لذلك، لا يكفي توزيع التمويل على المصانع بصورة عامة، بل ينبغي ربطه بطلبيات مؤكدة وقدرة إنتاجية غير مستخدمة وتدفقات نقدية تسمح بالسداد. كما يتطلب قياس الأثر تحديد مقدار المدخلات المستوردة؛ إذ قد ترفع القروض الإنتاج، لكنها قد تزيد في الوقت نفسه الطلب على الدولار لشراء المواد الخام والمعدات.
تمويل خارج المصارف في لبنان.. من يستفيد وبأي كلفة؟
صادرات لبنان تدعم فرص التوسع الصناعي
تمنح بيانات الصادرات أساساً اقتصادياً لفكرة تمويل المصانع القائمة. فوفقاً لإحصاءات وزارة الصناعة التي نشرتها وحدة البحوث الاقتصادية في «بنك الاعتماد اللبناني»، ارتفعت الصادرات الصناعية 15.35% خلال 2025 إلى 2.90 مليار دولار، مقابل 2.51 مليار دولار في 2024، مسجلة أعلى مستوى منذ عشر سنوات، وإن بقيت أقل من 2.95 مليار دولار المسجلة في 2015.
وتصدرت المعادن الأساسية ومصنوعاتها الصادرات بقيمة 600.7 مليون دولار، تلتها الآلات والمعدات الكهربائية بنحو 560.1 مليون دولار، ثم الصناعات الكيميائية بقيمة 509.4 مليون دولار. واستحوذت المجموعات الثلاث مجتمعة على نحو 57.6% من إجمالي الصادرات الصناعية.
وتتوقع الورقة التمويلية أن ترفع قروض الشركات الصادرات بنحو 1.14 مليار دولار، وأن تحسن ميزان المدفوعات بأكثر من 1.34 مليار دولار سنوياً من خلال زيادة الصادرات وتقليل الواردات. لكن هذه التوقعات تبدو طموحة؛ إذ تعادل الزيادة المفترضة في الصادرات نحو 39% من صادرات 2025 الصناعية.
كما أن تخصيص مليار دولار للقروض الاستهلاكية قد يعمل في الاتجاه المعاكس إذا توجه جزء كبير منه إلى السلع المستوردة. ويتضمن المقترح 400 مليون دولار لقروض السيارات و600 مليون دولار للقروض الشخصية؛ ما قد يحفز الاستهلاك والإيرادات الضريبية، لكنه قد يزيد أيضاً الطلب على الواردات والعملات الأجنبية. لذلك ينبغي تقييم الأثر الصافي للخطة بشقيها، لا احتساب مكاسب قروض الإنتاج بصورة منفصلة.
الحد الأدنى للأجور في لبنان.. فجوة المعيشة تصطدم بكلفة الزيادة
الخطة تصطدم بسؤال التمويل
اقترحت الورقة توفير الأموال عبر مصرف لبنان، إما بالسماح للمصارف بالسحب من توظيفاتها لديه، أو من خلال إقراضها من سيولته بالعملات الأجنبية. إلا أن المصرف المركزي نفى في بيان رسمي علمه بالخطة، مؤكداً أنها لم تعرض عليه، وأنه لم يُستشر بشأنها ولم يوافق أو يلتزم بتمويلها.
وبذلك، لا يوجد حتى الآن برنامج بقيمة ملياري دولار، ولا شروط نهائية للأهلية أو الفائدة أو الضمانات والسداد. وتبقى الأرقام الواردة في الورقة سيناريوهات مشروطة بتوفير مصدر تمويل لم يُحدد بعد.
منظر عام يظهر الميناء البحري اللبناني في العاصمة بيروت، يوم 1 نوفمبر 2023.
وفي مسار منفصل، أعلن وزير الصناعة جو عيسى الخوري إجراء اتصالات مع المصارف لإعادة تنشيط الإقراض الصناعي، مستهدفاً خفض الفائدة من 9% أو 10% إلى ما بين 5% و6%، مع آجال محتملة بين ثلاث وأربع سنوات. وهذه مستويات مستهدفة ضمن المباحثات، وليست عروضاً مصرفية نافذة.
وتكشف الخطة عن حاجة حقيقية إلى استعادة الائتمان الإنتاجي، لكنها لا تثبت أن ملياري دولار متاحان أو أن العوائد المقدرة قابلة للتحقق. وسيعتمد نجاح أي برنامج فعلي على مصدر أموال لا يهدد الاستقرار النقدي، وعلى توجيه القروض إلى مصانع تمتلك أسواقاً وقدرة على السداد، مع منع تحول التمويل إلى موجة استيراد جديدة تستنزف العملات الأجنبية.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

