دراسة لـ«إرم بزنس»: غياب الميزانية يقيد ثروة ليبيا ويضعف كفاءة الإنفاق

في وقت بلغ فيه متوسط الإنفاق على خطط التنمية في ليبيا نحو 10 مليارات دولار سنوياً خلال السنوات الأربع الماضية، وفق تصريحات وزير الاقتصاد والتجارة بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة، سهيل أبوشيحة، تبرز تساؤلات بشأن قدرة المنظومة المالية على قياس العائد الحقيقي من هذا الإنفاق، وتحديد حجم الأصول والثروات التي تمتلكها الدولة.

وتطرح دراسة حصرية لـ«إرم بزنس»، بعنوان «جمود الفكر المالي في ليبيا وأثر الخلط التشريعي بين الموازنة والميزانية على غياب المركز المالي للدولة»، إصلاح النظام المحاسبي والمالي بوصفه مدخلاً لتعزيز الشفافية وحماية المال العام، محذرة من أن الاقتصار على تسجيل الإيرادات والمصروفات، لا يوفر صورة متكاملة عن ثروة الدولة والتزاماتها.

ويرى معد الدراسة، الدكتور محمود الزروق الشاوش، الخبير المالي ومدير الضرائب السابق في ليبيا، أن الخلل يرتبط بالخلط بين مفهومي الموازنة العامة والميزانية العامة، والاعتماد على الحساب الختامي النقدي، بما يؤدي إلى غياب قوائم شاملة للأصول والالتزامات، ويحد من قدرة الجهات المالية والرقابية على تقييم المركز المالي للدولة.

أزمة تغيير المحافظ تهدد الاستقرار النقدي في ليبيا

الإنفاق العام بلا صورة مكتملة للأصول

بحسب الدراسة، لا تقتصر المشكلة على المصطلحات القانونية، بل تمتد إلى طريقة تسجيل الإنفاق وتقييم الاستثمارات الحكومية. فالمشتريات الرأسمالية، مثل المستشفيات وشبكات الكهرباء والطائرات ومشروعات البنية التحتية، تُعامل ضمن النظام القائم كمصروفات تُقفل بنهاية السنة المالية، من دون إظهار قيمتها الحالية في قوائم لاحقة، وفق الشاوش.

ويؤدي هذا النهج، بحسب الدراسة، إلى صعوبة تتبع قيمة الأصول العامة وكفاءة استخدامها، كما يحد من قدرة الدولة على تحديد احتياجات الصيانة وتقييم العائد من الاستثمارات السابقة.

ويشير الشاوش إلى أن التقارير الرقابية تستطيع الإجابة عن سؤال أين أُنفقت الأموال، لكنها لا تقدم بالضرورة صورة متكاملة عن حجم الثروة الوطنية والالتزامات القائمة في تاريخ محدد.

وتكتسب هذه المسألة أهمية في ضوء بيانات مصرف ليبيا المركزي التي أظهرت إنفاق المؤسسات التشريعية والتنفيذية والجهات التابعة لها 4 مليارات و436 مليوناً و868 ألفاً و915 ديناراً خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.

وترى الدراسة أن قياس الإنفاق وحده لا يكفي للحكم على كفاءته، ما لم يقترن ببيانات توضح الأصول التي أنشأها، وقيمتها، وحالتها، والعائد الاقتصادي المتوقع منها.

تداعيات تمتد إلى الاستثمار والبنية التحتية

تحذر الدراسة من أن غياب بيانات شاملة عن الأصول يضعف التخطيط التنموي المستدام، إذ تصبح المفاضلة بين المشاريع الجديدة أكثر صعوبة في ظل عدم توافر تقييم واضح للعائد من الاستثمارات السابقة.

كما قد يؤدي الاعتماد على الأساس النقدي إلى التعامل مع نفقات صيانة الأصول باعتبارها أعباء سنوية يمكن تقليصها عند تعرض المالية العامة لضغوط، مثل تراجع أسعار النفط أو انخفاض الكميات المصدرة. ويحذر الشاوش من أن تأجيل الصيانة قد يسرّع تدهور البنية التحتية ويؤدي إلى خسارة جزء من رأس المال الوطني.

هل يصمد اقتصاد ليبيا أمام تقلبات الدولار بعد فرض ضوابط تصدير جديدة؟

ويمتد الأثر، وفق الدراسة، إلى جاذبية ليبيا الاستثمارية؛ إذ إن عدم الإفصاح الدقيق عن الأصول والالتزامات قد يصعّب على المؤسسات الدولية والمستثمرين الأجانب تقييم الوضع المالي للدولة ومخاطر الاستثمار فيها، بما قد يحد من فرص التمويل وتنويع الاقتصاد.

وفي هذا السياق، أعلنت وزارة المالية أن اجتماعاً عُقد مع مجموعة البنك الدولي تناول آفاق التعاون في مجالات الطاقة والخدمات وتطوير أداء المالية العامة، في خطوة تبرز أهمية تحسين كفاءة الإدارة المالية ضمن مسار التعاون الاقتصادي.

معايير دولية تتيح انتقالاً تدريجياً

تستند الدراسة إلى تطورات معايير المحاسبة الدولية في القطاع العام، معتبرة أن التحديثات الأخيرة توفر فرصة أمام ليبيا للانتقال التدريجي من الأساس النقدي إلى أساس الاستحقاق، الذي يتيح إظهار الأصول والالتزامات بصورة أكثر شمولاً.

ويشير الشاوش إلى المعيار «IPSAS 33»، الذي يوفر تسهيلات وإعفاءات انتقالية للجهات الحكومية التي تطبق أساس الاستحقاق للمرة الأولى، بما يسمح بالتدرج في التحول المحاسبي.

كما يستند إلى المعيار «IPSAS 51» المتعلق بالأصول والموارد الطبيعية في القطاع العام، بوصفه إطاراً يساعد على حصر هذه الموارد وتقييمها والإفصاح عنها.

وترى الدراسة أن الاستفادة من هذه الأدوات تتطلب تهيئة البنية المؤسسية، وتطوير قدرات الكوادر، وتحديث الأنظمة المالية، إلى جانب وضع قواعد واضحة لحصر الأصول وتقييمها وإدراجها في القوائم المالية.

خريطة طريق لإصلاح النظام المالي

توصي الدراسة السلطة التشريعية بإصدار قانون مالي جديد يتجاوز أوجه القصور في النظام القائم، ويؤسس للالتزام بمعايير المحاسبة الدولية في القطاع العام.

الجدول الموحد للمرتبات في ليبيا.. ضغوط إضافية تشد الخناق على الموازنة

كما تدعو وزارة المالية وديوان المحاسبة إلى قيادة تحول تنظيمي ومحاسبي، يبدأ بحصر الأصول الرأسمالية والطبيعية للدولة وتقييمها، وصولاً إلى إعداد أول ميزانية عمومية شاملة تكشف المركز المالي لليبيا وتوضح أصولها والتزاماتها.

وتتسق هذه التوصيات مع دعوة وزير المالية الليبي راشد أبوغفة إلى التركيز على إعداد الكوادر اللازمة للتحول الرقمي في إدارة المالية العامة، وبناء قدرات موظفي القطاعات الخدمية وتوفير البنية التحتية الداعمة، إلى جانب تشخيص الوضع الاقتصادي بدقة لتحسين كفاءة الإدارة المالية.

وتخلص الدراسة إلى أن إصلاح المنظومة المالية لا يرتبط فقط بضبط الإنفاق أو تعزيز الرقابة على المعاملات، بل يتطلب الانتقال إلى نظام يوضح ما تملكه الدولة وما عليها من التزامات، ويتيح قياس قيمة الاستثمارات العامة ونتائجها. ومن شأن هذه الخطوة، إذا نُفذت ضمن إطار مؤسسي واضح، أن تعزز الشفافية وتدعم قرارات الإنفاق والاستثمار وحماية الثروات الليبية للأجيال المقبلة.


هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من إرم بزنس

منذ 12 ساعة
منذ 19 دقيقة
منذ ساعة
منذ ساعتين
منذ 34 دقيقة
منذ 4 ساعات
قناة CNBC عربية منذ ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 23 ساعة
صحيفة الاقتصادية منذ 17 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 15 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 9 ساعات
الشرق بلومبرغ منذ 23 ساعة
الشرق بلومبرغ منذ 15 ساعة
قناة CNBC عربية منذ 16 ساعة