الدستور- المؤرخ فادي عسكر
تُعدّ قرية كفرعانة واحدة من كبريات القرى الفلسطينية، وتتيح المصادر الأولية إعادة رسم صورتها قبل «نكبة 48»، بوصفها مجتمعًا زراعيًا ناميًا ومركزًا قياديًا في قضاء يافا، له مؤسساته المحلية وقياداته الاجتماعية والدينية ومدرسته ومرافقه العامة، وحضوره في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، فضلًا عن المكانة المرموقة للمرأة الكفرعانية. واستمرت ريادة كفرعانة بعد «نكبة 48»، إذ تأسست «جمعية رابطة أهالي كفرعانة» في العاصمة الأردنية عمّان عام 1977، لتكون من الجمعيات الرائدة في جمع أبناء القرية، وتعزيز روابطهم الاجتماعية، وصون ذاكرتهم المشتركة وحقهم التاريخي.
أولًا: الموقع الجغرافي والنمو السكاني والخصوصية الثقافية
تقع كفرعانة شرق مدينة يافا، على مسافة تقارب 11 كيلومترًا منها، شمال خط سكة الحديد الواصل بين يافا والقدس. وامتدت أراضيها على مساحة بلغت 17,353 دونمًا، منها 90 دونمًا للمنطقة السكنية. وجاورتها ساكية من الغرب، والعباسية من الشرق، والسافرية وبيت دجن من الجنوب الغربي، فيما حدّتها ملبّس من الشمال.
ويكشف تتبّع البيانات التاريخية عن نمو سكاني وعمراني متواصل شهدته القرية على امتداد قرون. فقد بلغ عدد سكانها نحو 116 نسمة عام 1596، في حين سجلت بيانات عام 1871 وجود 153 منزلًا. وفي عام 1915، بلغ عدد السكان 1,469 نسمة، منهم 748 ذكرًا و721 أنثى، موزعين على 206 بيوت. ثم ارتفع عددهم عام 1931 إلى 1,824 نسمة، كانوا يقيمون في 449 منزلًا. وعشية النكبة، وصل عدد سكان القرية إلى نحو 3,248 نسمة، جميعهم من المسلمين، فيما قُدّر عدد منازلها بنحو 799 منزلًا.
ولم تقتصر خصوصية كفرعانة على موقعها ومساحتها ونموها السكاني، بل شملت لهجتها المحلية التي عكست انتماءها إلى البيئة الثقافية لقرى الفتوح اليافية. فقد تميزت بنطق بعض الحروف والحركات على نحو يختلف عن لهجات فلسطينية أخرى؛ فمن مظاهرها كسر الحركة قبل التاء المربوطة في كلمات مثل «كبّايِة» و«سجّادِة»، ونطق القاف كافًا، مثل «كلم» بدلًا من «قلم»، و«الكدس» بدلًا من «القدس»، فضلًا عن نطق الكاف أيا كان موقعه بصوت قريب من «تش/CH»، وغيرها من الظواهر اللغوية التي تناقلها أبناء القرية.
ثانيًا: الحمائل والعائلات وبنية المجتمع المحلي
قامت الحياة المحلية على الزراعة بوصفها المهنة الغالبة، وبرز ضمن المجتمع العلماء والمعلمون والشيوخ والأئمة والمخاتير والوجهاء وملاك الأراضي والمأذونون الشرعيون، ممن اضطلعوا بأدوار متفاوتة في إدارة الشؤون المحلية وتمثيل السكان أمام السلطات، فضلًا عن أداء وظائف دينية واجتماعية.
تكوّن المجتمع الكفرعاني من ست حمائل رئيسية هي: دار صالح، والملكة، وعبد الله، والشرايعة، والعمرة، والمصراوة. وتكشف السجلات الممتدة بين عامي 1834 و1917 عن تنوع الأسماء العائلية التي ارتبطت بتاريخ القرية، وعن اتساع شبكة العلاقات الأسرية والاجتماعية فيها.
وترد في هذه السجلات أسماء العائلات الآتية: الأشقر، أبو حامدية، أبو يحي، خلف، أبو شاشية، شاهين، خير، بيّوض، الكوبرى، أبو شريف، السعدي، الشرايعة، رحال، عرابي، عليان العلي، أبو عامر، كعوش، دغمش، الموسى، مقبول، الديري، خطاب، حماد، صالح، الشرقاوي، قراجه، دعسان، راضي «حمودة»، المحمد، الجبالي، العجوري، العبيدات، حمّو، الجريري، الفيومي، القيسي، أبي حاشية، أبو اصبع، طالب، التلاوي، دبور، أبو حسين، عبد الله، عبد ربه، الشلختي، دحبور، العيسوي، العالول، خميس، عبيد، السالم، أبو سليمان، مشمش، شحادة، البياري، عبد الهادي، نوفل، الحامد، سعد، موسى الأحمد، السلفيتي، أبو شحرور، ذياب، فياض، أبو جاموس، الحج، غنام، اليوسف، فراج، عمران، أبو كشك، الزحلف، أبو زيد، الجبالي، الحصري، البريري، الزواوي، حمّو العمران، الدبعي، زهران، أبو جابر، الجرمي، أبو زيدان، الفران، العسود، أبو رجب، العلان.
ثالثًا: المخاتير والمرجعيات المحلية
تكشف الوثائق التاريخية عن وجود مرجعيات محلية منظمة في كفرعانة خلال العهد العثماني، اضطلعت بأدوار إدارية واجتماعية، وتوزعت بين المخاتير وأعضاء مجلس الاختيارية والشيوخ والأئمة. وتتيح سجلات الوقوعات والوثائق الشرعية تتبع أسماء عدد من هذه الشخصيات ومهامها خلال الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع عشر حتى نكبة عام 1948.
المخاتير ومجلس الاختيارية في العهد العثماني
تذكر سجلات وقوعات كفرعانة لعام 1852 الشيخ عبد الرحمن عمر بصفته عالمًا، والشيخ إبراهيم محمد خير بصفته »شيخ خطة«. وفي عام 1875، وردت أسماء الشيخ محمود محمد مقبول، ودعسان محمد محمود، وإبراهيم موسى أحمد، وعلي عبد الرحمن عمر، ضمن المخاتير وأعضاء مجلس اختيارية القرية. وقد ارتبطت هذه الأسماء بوثيقة حصر تركة قاسم وعبد القادر، ابني خليل محمد بيّوض، وهو ما يدل على حضور المرجعيات المحلية في توثيق التركات ومتابعة الحقوق المالية والأسرية.
وفي عام 1897، تولى حمودة حسين راضي حمودة ومحمد أحمد الموسى مهمة المختارية. ثم ظهر الشيخ محمد حمد الموسى مختارًا أول عام 1908، والحاج علي أحمد عبد ربه مختارًا ثانيًا عام 1915. كما ورد اسما حسين أبو إبراهيم وحسن حسين في وثيقة تعود إلى عام 1917، تتصل بحصر إرث عبد الهادي إبراهيم عبد ربه.
أئمة المسجد والمرجعيات الدينية
احتل المسجد موقعًا مركزيًا في الحياة الدينية والاجتماعية لكفرعانة، إذ أُقيم في وسط البلدة، وتكشف سجلات محكمة يافا الشرعية للفترة 1874-1917 عن أسماء عدد من أئمة المسجد، هم: مصلح الخطيب، حسن الموسى، حسين حمودة، محمد الريماوي. وجميعهم من أبناء كفرعانة. وهذا يشير إلى حضور المرجعية الدينية المحلية والدور الذي أداه أئمة المسجد في الحياة الدينية والاجتماعية للقرية.
المخاتير والأئمة في عهد الانتداب البريطاني
استمرت المختارية خلال الانتداب البريطاني، وتوثق عقود الزواج المحفوظة في مركز الوثائق والمخطوطات ودراسات بلاد الشام في الجامعة الأردنية أسماء عدد من مخاتير كفرعانة، منهم الشيخ باجس عبد الهادي أبو شاشية من حمولة الشرايعة، وخليل بيّوض، ومحمد خليل بيّوض، وأحمد درويش، ورمضان حماد من حمولة الملكة، وأحمد مصطفى ذياب من حمولة المصاروة.
وتذكر الوثائق الشيخ ذياب حسين الموسى بوصفه المختار الأول للقرية حتى نكبة عام 1948، الذي يبرز ضمن الشخصيات المحلية البارزة في كفرعانة والقطاع الغربي الأوسط، بما يعكس استمرار دور المختار في تمثيل الأهالي ومتابعة شؤونهم.
أما المرجعيات الدينية خلال هذه الفترة، فتذكر المصادر المختلفة، أسماء عدد من الأئمة، أبرزهم أحمد همام، والشيخ الأزهري محمد خالد أبو شلبك، وهو عالم كفيف -من كفرعانة- تولى الإمامة والخطابة في القرية حتى منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، ومصطفى حسن الموسى، الذي تصفه الوثائق بأنه إمام كفرعانة ومأذونها الشرعي. كما ترد أسماء الشيخين الأزهريين الغزيين أبو وردة ومحمود أبو ذان ضمن الشخصيات الدينية المرتبطة بالقرية.
رابعًا: المكانة الاقتصادية في المجتمع الكفرعاني
تقدم عقود الزواج شواهد على حضور ملاك الأراضي في المجتمع الكفرعاني، وعلى ورود صفة »مُلّاك« في التعريف ببعض الأشخاص الواردة أسماؤهم في الوثائق.
وتكتسب هذه الصفة أهمية توثيقية عندما ترد بجانب اسم أحد المتعاقدين أو الشهود؛ إذ تشير إلى ارتباط الملكية الزراعية بالتعريف بالمكانة الاقتصادية والاجتماعية للأفراد.
ومن الأمثلة على ذلك عقد زواج مؤرخ في 11 آذار/مارس 1946، وردت فيه صفة »مُلّاك« بجانب اسم محمد عبد الرحمن حامد دغمش، المتزوج من وردة سعيد دغمش. وبلغ المهر المعجل في العقد 250 جنيهًا فلسطينيًا، إضافة إلى خمسة جنيهات مؤجلة.
كما وردت الصفة نفسها بجانب اسم المختار باجس عبد الهادي أبو شاشية، بصفته أحد الشهود، وكذلك بجانب اسم رشاد محمد عبد الفتاح حمّو، المتزوج من غزالة رضوان عبد الرزاق حمّو، وفق عقد زواجهما المؤرخ في 3 آب/أغسطس 1946.
الإرث والملكية والحقوق المالية في القرن التاسع عشر
تقدم سجلات القرن التاسع عشر شواهد موثقة على تمتع المرأة الكفرعانية بحقوقها المالية والشرعية؛ ففي عام 1875، وثقت حجة حصر تركة ووصاية شرعية استحقاق حمدة أحمد عليان الحامد، وصفية عليان الحامد، وزينب حسين راضي، وحليمة الشيخ مصطفى موسى، وأولادهن، أنصبتهم الشرعية من تركة الشقيقين قاسم وعبد القادر، ابني خليل بن محمد بيّوض، اللذين توفيا عام 1874.
وفي عام 1897، استحقت فاطمة علي أبو يوسف، زوجة عبد القادر حمدان حمّو، مهرًا بلغ 2500 قرش بعملة يافا.
وفي عام 1898، وثّقت إحدى الوثائق استدانة مبلغ عشرة قروش صاغًا بموجب قرض شرعي من عليا إبراهيم محمد دحبور. وتتصل بهذه الواقعة وثيقة تعود إلى عام 1912، وثّقت استدانة مبلغ ثلاثة قروش بعملة يافا بموجب قرض شرعي من حسنا حسن عطا الشماري، زوجة أحمد بن دحبور. وتكتسب هاتان الوثيقتان أهميتهما من توثيقهما معاملتين ماليتين كانت فيهما امرأتان من كفرعانة طرفًا مُقرِضًا، بما يكشف عن امتلاكهما حقوقًا مالية ناشئة عن القروض التي قدمتاها، وعن حضور النساء في المعاملات المالية التي سجّلتها الوثائق الشرعية. وبذلك، تضيف هذه الشواهد جانبًا آخر إلى صورة المرأة الكفرعانية، يتجاوز حقوق الإرث والمهر إلى الإقراض وممارسة الحقوق المالية.
الوصاية والإرث والتوكيل في مطلع القرن العشرين
تقدم وثائق مطلع القرن العشرين شواهد أكثر تفصيلًا على الحقوق المالية والعقارية للمرأة الكفرعانية، وعلى الإجراءات الشرعية المتعلقة بحماية حقوق القاصرات وإدارة الأملاك والتوكيل في البيع والفراغ. ففي عام 1911، ورد توثيق وصاية العبد محمد أبي كشك من قرية كفرعانة على ابنته فضية، القاصرة عن درجة البلوغ. وقد استحق لها إرثها الشرعي الذي آل إليها عن أمها آمنة، والمتمثل في حصتها البالغة أربعة عشر سهمًا من أصل ستة وتسعين سهمًا، كما وثقت الوثيقة ما آل إليها عن أبيها أحمد الحاج سعد من حقوق في الدار والحاكورة الكائنتين في كفرعانة.
وفي عام 1904، وثّقت إحدى الوكالات العامة المطلقة أن حليمة أحمد دبور من قرية كفرعانة، بتعريف محمد صالح التلاوي وسليم سلامة من السافرية، وكّلت فضيلة الشيخ محمد سعادات الإمام بموجب وكالة عامة.
المرأة الكفرعانية: مكانة مرموقة وحقوق موثقة وحضور فاعل
تكشف الوثائق الشرعية.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الدستور الأردنية
