حين ننظر إلى التحولات الاقتصادية والتنموية التي شهدتها الصين خلال العقود الماضية، قد يبدو من المغري البحث عن نماذج ناجحة يمكن نقلها إلى مجتمعات أخرى، خصوصًا عندما تقدم التجربة نتائج ملموسة في تطوير البنية الأساسية، وتنويع الاقتصادات المحلية، وتحويل بعض القرى إلى مراكز للإنتاج وريادة الأعمال. غير أن نجاح أي تجربة لا يعني بالضرورة صلاحيتها للتطبيق خارج البيئة التي نشأت فيها؛ فالسياسات لا تعمل بمعزل عن المؤسسات التي تنفذها، ولا عن المجتمعات التي تستقبلها، ولا عن الظروف الاقتصادية والجغرافية التي تحدد فرص نجاحها. ومن هنا يصبح السؤال الأكثر أهمية ليس ما الذي نجح في الصين، وإنما لماذا نجح هناك، وما الشروط التي قد تسمح بالاستفادة من منطقه في سياق مختلف مثل سلطنة عُمان؟
على امتداد المقالات الأربعة السابقة من هذه السلسلة، تناولنا العلاقة بين المركز والمستويات المحلية في النظام الإداري الصيني، ومفهوم «التجريب تحت الهرمية» بوصفه أحد الأطر التفسيرية لبعض مسارات الإصلاح، ثم انتقلنا إلى تحول القرى من مجتمعات تعتمد على الأنشطة التقليدية إلى اقتصادات محلية أكثر تنوعًا، وصولًا إلى تجربة قرية ليزو التي أظهرت كيف يمكن أن تسهم المبادرات الاقتصادية والخدمات والحوافز في استقطاب رواد الأعمال وإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. وقد قدمت هذه التجارب مجموعة من الأفكار المهمة، لكنها تطرح في الوقت نفسه ضرورة التمييز بين النتائج التي يمكن ملاحظتها، والآليات التي أسهمت في إنتاجها، والظروف التي جعلت تلك الآليات قابلة للعمل.
وأولى هذه الظروف تتعلق بحجم الاقتصاد والسوق؛ فالصين تمتلك قاعدة سكانية واسعة وسوقًا داخلية ضخمة وشبكات إنتاج وتوزيع متكاملة، وهو ما يمنح كثيرًا من المشروعات المحلية فرصًا للوصول إلى أعداد كبيرة من المستهلكين والموردين. وقد استطاعت بعض القرى الصينية تطوير تخصصات صناعية وتجارية تستفيد من قربها من المدن الكبرى أو من اندماجها في شبكات التصنيع والتجارة الإلكترونية. أما عُمان، فتختلف في حجم السكان وتوزيعهم الجغرافي وطبيعة الأسواق المحلية، وهو ما يجعل افتراض قدرة كل قرية أو ولاية على تطوير نشاط اقتصادي مستقل ومكتمل افتراضًا يحتاج إلى مراجعة. فقد يكون من الأكثر كفاءة لبعض المناطق العُمانية أن تتخصص في جزء محدد من سلسلة القيمة، أو أن تتكامل اقتصاديًا مع مناطق أخرى، بدل محاولة إنشاء منظومة إنتاج وتسويق متكاملة داخل حدودها.
ويبرز الاختلاف الثاني في البنية الاقتصادية ذاتها. فقد ارتبط جانب مهم من التحول الصيني بتوسع الصناعة التحويلية، وتراكم الخبرات الإنتاجية، واندماج البلاد في سلاسل القيمة العالمية، إلى جانب الاستثمار الواسع في البنية الأساسية والقدرات التقنية. أما الاقتصاد العُماني، فرغم ما شهده من تطور في قطاعات الصناعة والخدمات واللوجستيات والسياحة، فإنه ينطلق من هيكل اقتصادي مختلف وتحديات خاصة تتعلق بتنويع مصادر الدخل وتعزيز القيمة المضافة وتوسيع مساهمة القطاع الخاص. ولذلك فإن استلهام تجربة قرية صناعية صينية لا يعني بالضرورة إنشاء مصانع مماثلة في القرى العُمانية، وإنما قد يعني البحث عن الأنشطة التي تستطيع الاستفادة من الموارد المحلية والقدرات الوطنية والطلب الفعلي في الأسواق الداخلية والخارجية.
أما الاختلاف الثالث فيتعلق بالجغرافيا والكثافة السكانية. فقد نشأت بعض التجارب الريفية الصينية في مناطق تتمتع بكثافات سكانية مرتفعة نسبيًا، وقرب من المراكز الحضرية وشبكات النقل والأسواق. وتسمح هذه الظروف بتوفير خدمات مشتركة وتخفيض تكاليف النقل والتوزيع وخلق طلب محلي يدعم الأنشطة الاقتصادية. وفي المقابل، تتسم أجزاء واسعة من عُمان بتباعد التجمعات السكانية وتنوع البيئات الطبيعية، من السواحل والجبال إلى الصحارى والواحات، وهو ما يجعل تكاليف تقديم الخدمات وتطوير المشروعات متفاوتة بدرجة كبيرة بين المناطق. وقد يكون المشروع الذي يحقق جدوى اقتصادية في ولاية قريبة من مركز حضري أقل قدرة على الاستمرار في تجمع سكاني بعيد، حتى لو تشابهت الموارد الطبيعية أو الأنشطة المقترحة.
ولا يقتصر أثر الجغرافيا على التكاليف الاقتصادية، بل يمتد إلى طبيعة الفرص نفسها. فالموقع الساحلي قد يمنح بعض المناطق ميزات في الخدمات البحرية والأنشطة اللوجستية والصناعات المرتبطة بالثروة السمكية، بينما تمتلك مناطق أخرى فرصًا في الزراعة المتخصصة أو السياحة البيئية أو الصناعات الحرفية. غير أن وجود الميزة الطبيعية لا يعني بالضرورة وجود ميزة اقتصادية قابلة للاستثمار؛ إذ يتطلب تحويل الموارد إلى قيمة مضافة توافر الأسواق والمهارات والتقنيات والبنية الأساسية والقدرة على إدارة المخاطر. ومن ثم، فإن نقل مشروع ناجح من بيئة جغرافية إلى أخرى قد يؤدي إلى تجاهل الشروط التي صنعت نجاحه، بينما تسمح قراءة تلك الشروط باكتشاف فرص مختلفة وأكثر ملاءمة للمكان الجديد.
ويظهر الاختلاف الرابع في طبيعة المؤسسات والعلاقة بين مستويات الإدارة. فالتجريب المحلي في الصين نشأ وتطور ضمن نظام سياسي وإداري له خصائصه التاريخية والتنظيمية، بما في ذلك العلاقة الهرمية بين السلطات المركزية والمحلية، وآليات التوجيه والتقييم والمساءلة. وقد سمحت هذه البيئة، في مراحل معينة، باختبار سياسات محلية وتوسيع بعضها، لكنها ارتبطت كذلك بتحديات تتعلق بتفاوت القدرات بين المناطق والحوافز الإدارية والمخاطر المالية. ولا يمكن افتراض أن نقل أداة إدارية منفردة، مثل إنشاء مناطق تجريبية أو منح حوافز محلية، سيؤدي إلى النتائج نفسها إذا اختلفت المؤسسات المسؤولة عن التنفيذ والرقابة وتوزيع الموارد.
وفي عُمان، ينبغي أن تنطلق أي محاولة للاستفادة من التجارب الدولية من الإطار المؤسسي الوطني، ومن التحولات الجارية في الإدارة المحلية وتعزيز أدوار المحافظات ضمن رؤية عُمان 2040. فالمطلوب ليس استنساخ العلاقة بين المركز والمحليات في الصين، وإنما تطوير آليات تسمح للمحافظات بتحديد الفرص الاقتصادية واختبار المبادرات ضمن منظومة وطنية واضحة للصلاحيات والتمويل والمساءلة. وقد تكون القيمة الأكثر قابلية للاستفادة من التجربة الصينية هي منهجية التعلم من التطبيق، وليس البنية الإدارية التي نشأت داخلها تلك المنهجية.
وهنا تظهر أهمية التمييز بين اللامركزية بوصفها توزيعًا للاختصاصات، والتجريب بوصفه أسلوبًا لإنتاج المعرفة التنموية. فقد تمتلك المحافظة صلاحيات واسعة دون أن تطور قدرة مؤسسية على اختبار المشروعات وتقييم نتائجها، كما يمكن للإدارة المركزية أن تسمح بتجارب محلية محددة دون أن تتخلى عن مسؤولياتها الاستراتيجية. ولذلك فإن السؤال لا ينبغي أن ينحصر في مقدار الصلاحيات التي تنتقل إلى المستوى المحلي، وإنما في كيفية استخدام هذه الصلاحيات لتحسين القرارات الاقتصادية والاجتماعية، ومدى توافر البيانات والكفاءات وآليات التقييم التي تسمح بالتعلم من النتائج.
ويتصل بذلك اختلاف آخر يتعلق بقدرة المؤسسات المحلية على تنفيذ المشروعات وإدارتها. فقد استفادت بعض المناطق الصينية من تراكم خبرات صناعية وتجارية وإدارية طويلة، ومن وجود شبكات واسعة من الموردين والمستثمرين والخدمات المتخصصة. أما في البيئات التي لا تتوافر فيها هذه المقومات، فإن إنشاء المشروع قد يكون أسهل من ضمان استمراره. ومن هنا فإن نجاح التنمية المحلية لا يقاس بحجم الإنفاق أو عدد المشروعات المعلنة، وإنما بقدرة المؤسسات على اختيار الأنشطة ذات الجدوى، وتطوير الشراكات، وإدارة المخاطر، وقياس العوائد الاقتصادية والاجتماعية على.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الرؤية العمانية
