على مدار سبع سنوات من البحث المكثف، أجرى فريق من الباحثين مقابلات موسعة مع مئات الطلاب المتفوقين وأسرهم، بهدف فهم العوامل التي تقود الأطفال إلى التفوق الأكاديمي وما يرافق ذلك من ضغوط نفسية. وخلصت الدراسة إلى أن التركيز المفرط على الدرجات والشهادات يجعل بعض الأطفال يشعرون بأن قيمة والدَيهم وحبهم مرتبطان مباشرة بأدائهم الدراسي.
ويرى الباحثون أن التربية التي تضع الإنجاز في صلب الأولويات تقدم وعودًا بتحقيق مستقبل أفضل، من خلال السعي وراء درجات أعلى وشهادات مرموقة. لكن الدراسات العلمية الحديثة تشير إلى أن هذا النهج قد يولّد نزعة للكمالية، وهي سمة مرتبطة بزيادة مستويات القلق والاكتئاب لدى الشباب. وفي هذا السياق، يطرح الخبراء سؤالًا جوهريًا وهو "كيف يمكن للوالدين حماية أطفالهم من رؤية الذات عبر منظور ضيق يركز على الأداء فقط؟".
وبحسب الدراسة فإن الجواب يكمن في إعادة توجيه اهتمام الأطفال من التركيز على الذات إلى خدمة الآخرين، وتحويل شعورهم بالقيمة من معيار يعتمد على النتائج إلى معيار يرتكز على العطاء.
تحويل الانتباه من الذات إلى الآخرين يُظهر البحث أن الأطفال الذين يبدأون في التفكير بسؤال "كيف أستطيع أن أكون مفيدًا للآخرين؟" بدلاً من "كيف أحس بقيمتي؟" يطورون هوية أكثر استقرارًا ومرتكزة على تقديم الدعم بدلًا من المنافسة المستمرة. وتبرز الأمثلة اليومية البسيطة، مثل مساعدة الجيران، أو تحمل مسؤوليات داخل الأسرة، أو المشاركة الفاعلة في فريق، كوسائل فعالة لتعزيز شعور الأطفال بالجدوى والتأثير الإيجابي.
وقدمت أم تجربة عملية حين أخذت طفليها إلى الحديقة ولاحظت جارتهما المسنة تجمع أوراق الأشجار. وعلى الرغم من رفض الجارة المساعدة، فقد انخرط الطفلان في جمع الأوراق والمساهمة، مما منحهما شعورًا بالرضا والقدرة على التأثير، وهو ما يسميه علماء النفس "نشوة المساعدة". وينصح الخبراء باستخدام أسئلة مثل: "من يحتاج إلى دعم اليوم؟" أو "ما الذي يمكنني فعله لأكون مفيدًا؟" لتعزيز هذه المهارة.
إدراج المساهمة ضمن أنشطة الحياة اليومية أشارت إحدى الأمهات إلى أنها علّقت قائمة مهام على الباب الأمامي للمنزل، يختار منها الأطفال ما يمكنهم القيام به بعد العودة من المدرسة. وساعد هذا الأسلوب الأطفال على رؤية أنفسهم ليس فقط كمساعدين مؤقتين، بل كأعضاء فاعلين في الأسرة. وتشير الدراسات إلى أن الأطفال الذين يُشاد بهم على كونهم "مساهمين" يطورون رغبة أكبر في المشاركة، ويكتسبون شعورًا مستمرًا بالجدوى والانتماء.
إبراز أعمال العطاء والاهتمام بالآخرين يؤكد الباحثون أن القدوة وحدها لا تكفي، بل يجب شرح الأسباب وراء الأفعال الخيرة. على سبيل المثال، عند مساعدة جار مريض أو تقديم وجبة لشخص محتاج، يمكن للوالدين توضيح: "أحضرت له الطعام لأنه قد يشعر بالوحدة" أو "ساعدت هذا الشخص لأنه كان يحتاج لمساعدة في حمل حقائبه". هذه التفسيرات تمنح الأطفال نموذجًا للتفكير العملي حول كيفية العطاء، وتطور لديهم شعورًا بالمسؤولية الاجتماعية.
اقرا أيضًا:
توقف عن قول "لا نستطيع تحمّل التكلفة" لإطفالك.. إليك الرد الأمثل
مع أول دقيقة في الصباح.. 9 نصائح لتربية أطفال سعداء
النصائح الـ 10 الذهبية لتربية المراهقين
هذا المحتوى مقدم من العلم
