استحضر كثيرون مقولة المؤرخ اليوناني القديم ثوسيديدس التي تقول إن «الأقوياء يفعلون ما بوسعهم، والضعفاء يتحملون ما يُفرض عليهم»، بعد العملية الأمريكية التي نُفذت في الثالث من يناير ضد فنزويلا، وانتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته في تحرك خاطف.
ووفقًا لشبكة " CNBC"، نُقل الزوجان إلى نيويورك لمواجهة اتهامات تتعلق بالمخدرات والإرهاب، ما أثار انتقادات حادة من دول عدة شككت في شرعية العملية. وأعادت الخطوة فتح نقاش أوسع حول ما إذا كانت واشنطن تمضي نحو منطق تُقدَّم فيه القوة على القانون الدولي.
تخوفات دولية بعد العملية الأمريكية وفي تعليق على ذلك، قال ديفيد روش من شركة كوانتوم ستراتيجيز، في تصريحات لشبكة سي إن بي سي، إن هذه العملية قد تُقوّض قدرة الولايات المتحدة على الاعتراض أخلاقيًا على تحركات مشابهة قد يقوم بها خصومها.
وقال روش إن الخطوة الأمريكية تفتح بابًا واسعًا للتساؤلات، مضيفًا: «إذا كان بإمكان دونالد ترامب دخول دولة وفرض سيطرته عليها، فلماذا يُعد فلاديمير بوتين مخطئًا في أوكرانيا، ولماذا لا يكون من حق الصين التحرك للسيطرة على تايوان؟».
وفي هذا السياق، عززت الولايات المتحدة ما بات يُعرف بـ«نتيجة ترامب» ضمن استراتيجيتها للأمن القومي الصادرة مؤخرًا، حيث أعادت التأكيد على رؤية تعتبر نصف الكرة الغربي مجال نفوذ أمريكي مباشر، في إحياء واضح لمبدأ سياسي يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر، ويقوم على حصر النفوذ الخارجي في تلك المنطقة.
يشير مفهوم «منطقة النفوذ» إلى نطاق جغرافي تعمل فيه دولة كبرى على التأثير في القرارات السياسية أو العسكرية أو الاقتصادية لدول أخرى، من دون اللجوء إلى ضم أراضيها رسميًا. ويجد هذا المفهوم جذوره في مبدأ روزفلت، الذي استُخدم تاريخيًا لتبرير التدخلات الأمريكية في شؤون دول أمريكا اللاتينية بدعوى حماية المصالح والنفوذ الاستراتيجي للولايات المتحدة.
أعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن «قلق بالغ» إزاء ما وصفه بعدم احترام قواعد القانون الدولي، معتبرًا أن التطورات الأخيرة في فنزويلا تمثل «سابقة خطيرة».
وفي السياق نفسه، حذّر روش من أن هذه الخطوة قد تخلّف نتائج غير مقصودة، موضحًا أن مثل هذه الإجراءات لا تخلق فقط مناخًا من التهديدات المتبادلة، بل تمنح أيضًا مبررًا لأنظمة استبدادية لتبرير الاستيلاء على أراضٍ خارج نطاق سيطرتها الحالية.
ماذا عن تايوان ؟ في آسيا، اتجهت الأنظار إلى احتمال أن تدفع التطورات الأخيرة الصين إلى تصعيد ضغوطها على تايوان، التي تعتبرها بكين جزءًا من أراضيها. وكانت الصين قد أجرت تدريبات عسكرية بالذخيرة الحية حول تايوان في ديسمبر، ووصفتها بأنها رسالة تحذير من أي تدخل أجنبي في الملف. وفي خطاب رأس السنة الجديدة، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ إن إعادة توحيد تايوان «لا يمكن إيقافها»، في موقف ينسجم مع تقديرات استخباراتية أمريكية تشير إلى أن بكين قد تحاول السيطرة على الجزيرة بالقوة خلال هذا العقد.
حذّر ريان هاس، الدبلوماسي الأمريكي السابق والزميل البارز في معهد بروكينغز، من الانجراف نحو مقارنات مباشرة بين التطورات الأخيرة وتايوان.
وكتب هاس في منشور على منصة «إكس» أن محللي السياسة الخارجية قد يميلون إلى عقد تشبيهات مع تايوان والتحذير من أن تحركات ترامب قد تخلق سابقة يمكن للصين استغلالها، لكنه دعا إلى الحذر من هذا الطرح. وأوضح أن بكين تجنبت حتى الآن اللجوء إلى عمل عسكري مباشر ضد تايوان، ليس بدافع احترام القانون الدولي أو الأعراف السائدة، وإنما لاعتمادها استراتيجية ضغط وإكراه لا تصل إلى حد استخدام القوة
وأضاف ريان هاس أن بكين ستركز على حماية مصالحها الخاصة، وإدانة التحركات الأمريكية، وإبراز اختلاف رؤيتها عن واشنطن داخل النظام الدولي، بدلًا من اعتبار ما جرى دافعًا لتغيير نهجها تجاه تايوان.
وفي هذا السياق، قالت وزارة الخارجية الصينية في بيان صدر عقب الضربة الأمريكية إنها «تشعر بصدمة عميقة» وتدين بشدة ما وصفته بالاستخدام الصارخ للقوة من جانب الولايات المتحدة ضد دولة ذات سيادة واستهداف قيادتها. كما وصفت بكين العملية بأنها «عمل هيمني»، داعية واشنطن إلى التوقف عن انتهاك سيادة الدول الأخرى وأمنها.
قال ماركو بابيتش، كبير الاستراتيجيين في الشؤون الجيوسياسية بشركة «بي سي إيه للأبحاث»، إن إدارة ترامب تبدو أكثر ارتياحًا من إدارات أمريكية سابقة لواقع وجود قوى كبرى مثل الصين وروسيا داخل مناطق نفوذها، مؤكدًا أن ذلك لا يعني موافقة واشنطن على توسيع هذا النفوذ.
. وأضاف بابيتش أنه لا توجد مؤشرات على تخلي إدارة ترامب عن تايوان، مستشهدًا بصفقة أسلحة بقيمة 11 مليار دولار أعلنتها تايبيه في ديسمبر. ورغم عدم وجود معاهدة دفاع مشترك بين الولايات المتحدة وتايوان، فإن قانون العلاقات مع تايوان لعام 1979 يُلزم واشنطن بتزويد الجزيرة بوسائل الدفاع اللازمة.
يرى إيفان فيجنباوم من مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي أن الولايات المتحدة ستسعى إلى ترسيخ مجال نفوذها الخاص، مع العمل في الوقت نفسه على منع الصين من امتلاك نفوذ مماثل في آسيا. وكتب فيجنباوم أن واشنطن لن تقبل بوجود مجال نفوذ صيني في القارة، بل ستحاول فرض نفوذها في نصف الكرة الخاص بها، بينما تحاول في الوقت نفسه منع الصين من الحصول على مجال نفوذ في آسيا.
هذا المحتوى مقدم من العلم
