بين ثقافة الهاند ميد والذكاء الاصطناعي

يقف المثقف اليوم أمام الذكاء الاصطناعي بريبة وحذر، قد يغلفهما تعالٍ يشبه كبرياء الحرفي أمام ما تقذفه المصانع من سلع متطابقة. يرفع المثقف شعار «الهاند ميد» الثقافي، مفضّلًا نصه المجهد على الجمل المصقولة آليًا، التي تبدو في نظره فاقدة للروح. ويمكن فهم انبعاث هذا الشعار كفعل مقاومة للأتمتة الشاملة، حيث تتحول تفاوتات اللمسة وأخطاء الصانع من عيوب تقنية إلى علامات حياة تمنح الفكر هويته الفريدة، حيث يصبح الارتباك والتعثر قيمة تتجلى في مواجهة النعومة الباردة للخوارزميات.

صدق الأثر في مواجهة كمال الآلة

تظل المعضلة معلقة في تلك المساحة القلقة التي يرفض فيها المثقف كمال النتائج الآلية حيث يبحث عن صدق الأثر، وعن تجربة كتابة تحتفظ بآثار التعب البشري بوصفه جوهر المعنى، لا مجرد صياغة لغوية مفرغة من بصمة القرار الفردي. في نظر هذا الحرفي الفكري، تميل الآلة بطبيعتها إلى صقل جمل متوازنة، خالية من الشوائب، وقابلة للتكرار دون أثر. في المقابل، تقوم الثقافة الحية على ما لا يمكن استنساخه: الانحرافات البسيطة، والخطأ البشري الذي يكشف حضور الإنسان.

ويمكن تلخيص المشكلة اليوم في المسافة الدقيقة بين الحفاظ على إنسانية الثقافة والاستفادة مما تتيحه الأدوات الحديثة. ففي هذه المسافة يتحدد موقف المثقف من خلال الإجابة على التساؤل حول الكيفية التي يمكن بها منع هذه الأدوات من اختزال الكتابة بمفهومها الشامل إلى إجراء آلي يخلو من التردد والاختيار.

المثقف والأداة عبر التاريخ

ولا يمكن النظر لهذه الإشكالية باعتبارها حديثة حيث ارتبط المثقف بالأداة عبر تاريخ الكتابة ارتباطًا تطوريًا، تشكّل مع تغيّر الوسائط وتحوّل شروط التعبير. انتقلت الكتابة من الشفاه إلى الطين، ثم إلى الرق والورق، فالمطبعة، فالآلة الكاتبة، وصولًا إلى الحاسوب، وفي كل انتقال تغيّر إيقاع الكتابة ومسافة التفكير وطريقة تشكّل النص. هذه التحوّلات أعادت تنظيم العلاقة بين الفكرة وصياغتها، ووسّعت إمكانات التعبير، وفرضت على المثقف أن يعيد تعريف ممارسته للكتابة في كل مرحلة.

وفي ظل هذه التحولات ظل جوهر الكتابة قائمًا على الفعل الإنساني: الاختيار، التأمل، وبناء المعنى. كانت الأداة تؤثّر في الشكل والإيقاع، بينما بقيت المسؤولية الفكرية لدى الكاتب نفسه. لكن في هذا السياق التاريخي ظهر الذكاء الاصطناعي كمرحلة متقدمة في مسار الأدوات، بقدرة غير مسبوقة على إنتاج الصياغة ومحاكاة مظهر النص ليواجه المثقف سؤالًا جديدًا حول موقعه في عملية الكتابة، وحول كيفية استخدام الأداة دون أن تنتقل المبادرة الفكرية خارج الفعل الإنساني، ودون أن يتحوّل الوسيط إلى مصدر مستقل للمعنى.

ما يتيحه الذكاء الاصطناعي للمثقف

وعمق هذه الإشكالية ينطلق من عمق ما يتيحه الذكاء الاصطناعي للمثقف من مساحة غير مسبوقة لتوسيع أفق السؤال، عبر تسريع التفكير ومضاعفة احتمالاته. فهو يتيح الوصول إلى طبقات كثيفة من المعرفة، ويتيح اختبار الأفكار في مواجهة تاريخ طويل من المفاهيم والنصوص في زمنٍ كان يتطلب سابقًا جهدًا ممتدًا. بهذه الصيغة، يعمل الذكاء الاصطناعي كأداة تُمكّن المثقف من تفكيك فرضياته، ومساءلة يقينياته، واستكشاف مسارات لم تكن متاحة بسهولة.

الخوف من التأخر: درس التاريخ

كما يمكن تصور الضغط الذي يعانيه المثقف وهو يواجه هذه الإشكالية عندما نتمثل ما يشهد عليه التاريخ من سقوط أمم فشلت في مسايرة التقدم، حيث يقدّم العالم الإسلامي مثالًا دالًا على أثر التأخر في تبنّي أدوات الثقافة في مسار الأمم. فعلى الرغم من الثراء المبكر في علوم اللغة، والفقه، والفلسفة، والترجمة، شهدت العصور المتأخرة حالة من التحفّظ والارتياب تجاه أدوات ثقافية حاسمة، مثل الطباعة، والترجمة المنهجية للعلوم الحديثة، وبناء مؤسسات تعليمية نقدية مستقلة. سادت رؤية ترى في الأداة تهديدًا للمعنى بدل أن تكون.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الوطن السعودية

منذ 7 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 8 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 4 ساعات
صحيفة سبق منذ 5 ساعات
صحيفة عكاظ منذ ساعتين
اليوم - السعودية منذ 16 ساعة
صحيفة سبق منذ 8 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 15 ساعة
صحيفة الشرق الأوسط منذ 7 ساعات
صحيفة سبق منذ 3 ساعات
صحيفة عكاظ منذ 18 ساعة