تشهد شركات التكنولوجيا الكبرى موجة متجددة من التسريحات الجماعية، كان أحدث فصولها إعلان شركة أمازون خفض نحو 16 ألف وظيفة، في خطوة تُعد امتداداً لسلسلة تسريحات واسعة ضربت القطاع خلال العام الماضي. ورغم أن هذه التخفيضات تأتي في ذروة السباق العالمي نحو الذكاء الاصطناعي، فإن جذورها أعمق من ذلك بكثير، إذ تعكس نمطاً تاريخياً متكرراً بإعادة تشكيل الشركات مع كل تحول تكنولوجي كبير.
وعلى مدار العقود الماضية، ازدهرت شركات التكنولوجيا أو تعثرت وفق قدرتها على إعادة هيكلة نفسها، وغالباً ما كان عشرات الآلاف من الموظفين هم من يدفعون الثمن، ففي تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية، شهد القطاع موجات مماثلة من التسريحات لدى شركات رائدة مثل آي بي إم وهيوليت باكارد ومايكروسوفت، بالتزامن مع صعود الحواسيب الشخصية، والهواتف المحمولة، والحوسبة السحابية.
وتُعد التسريحات الأخيرة في أمازون هي الموجة الثانية منذ أكتوبر، لترفع إجمالي التخفيضات الأخيرة إلى نحو 9% من قوتها العاملة الإدارية، في واحدة من أكبر عمليات إعادة الهيكلة بتاريخ الشركة الحديث.
الذكاء الاصطناعي في الخلفية
ورغم أن أمازون تؤكد أن قرارات التسريح ليست نتيجة مباشرة للذكاء الاصطناعي، فإنها ترتبط به بشكل غير مباشر، فقد أثارت الطفرات السريعة في تقنيات الذكاء الاصطناعي مخاوف واسعة بشأن مستقبل الوظائف، خاصة بعد أن أعلنت شركات كبرى مثل مايكروسوفت وميتا وفيرايزون عن تسريحات مماثلة خلال العام الماضي.
وقالت بيث غاليتي، نائبة الرئيس الأولى لشؤون تجربة الموظفين والتكنولوجيا في أمازون، إن الذكاء الاصطناعي هو أكثر التقنيات تحولاً منذ ظهور الإنترنت ، مشيرة إلى أن الشركة تسعى إلى تقليل المستويات الإدارية لتسريع اتخاذ القرار.
وفي مذكرة داخلية تشرح الجولة الجديدة من التخفيضات، أوضحت غاليتي أن أمازون تهدف إلى تعزيز قوة المؤسسة عبر تقليص الطبقات الإدارية، وزيادة المسؤولية، والتخلص من البيروقراطية .
إعادة توجيه الموارد
ويرى خبراء أن الشركات الكبرى تعيد توجيه مواردها نحو مجالات مثل البيانات، والأتمتة، والتحليلات، في ظل احتدام سباق الذكاء الاصطناعي. ويقول زيكي باغدا، الأستاذ المساعد في كلية إدارة الأعمال بجامعة روتغرز، إن «أمازون لا تستطيع بسهولة إعادة تدريب قوة عاملة صُممت أساساً للوجستيات اليدوية أو أنظمة البيع التقليدية، لتتحول إلى تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي توليدي».
من جهتها، أكدت أمازون أنها ستواصل التوظيف في مجالات أخرى، وأن التخفيضات الواسعة المتكررة ليست جزءاً من خطتها المستقبلية.
دروس من التاريخ
ولا تُعد أمازون استثناءً في هذا السياق، فشركة آي بي إم سرّحت نحو 50 ألف موظف عام 1993، مع تحول الصناعة بعيداً عن الحواسيب المركزية الضخمة نحو الحواسيب الشخصية والخدمات البرمجية.
وفي عام 2014، خفضت مايكروسوفت نحو 18 ألف وظيفة بعد أشهر من تولي ساتيا ناديلا منصب الرئيس التنفيذي، ضمن مساعٍ لإعادة هيكلة الشركة والتركيز على الهواتف المحمولة والحوسبة السحابية.
كما اضطرت سيسكو إلى تقليص آلاف الوظائف خلال العقد الماضي، مع تراجع الاعتماد على معدات الشبكات التقليدية وصعود الحوسبة السحابية والأمن السيبراني.
أمازون ليست في أزمة.. فلماذا الآن؟
ورغم حجم التسريحات، لا تواجه أمازون أزمة مالية أو تهديداً لوجودها، فقد سجلت الشركة 180.2 مليار دولار في صافي المبيعات خلال الربع المنتهي في سبتمبر من العام الماضي، وتبلغ قيمتها السوقية نحو 2.5 تريليون دولار.
ويرى روب سيغل، المحاضر في كلية الدراسات العليا للأعمال بجامعة ستانفورد، أن هذه الخطوات تعكس محاولة استباقية للتغيير، قائلاً: «يمكن النظر إلى ما يحدث على أنه رسالة من قيادة أمازون مفادها: علينا إجراء هذه التغييرات الآن، لأننا نرى إلى أين تتجه التكنولوجيا والأسواق».
(ليزا إيديسيكو CNN)
هذا المحتوى مقدم من منصة CNN الاقتصادية
