في المنعطفات الكبرى من تاريخ الأمم، لا تُقاس عظمةُ المسؤول بسطوة القرار، ولا تُوزَن مكانته بكثرة الصلاحيات، بل يُعرَف بقدر ما يحمله من همٍّ أخلاقي، وبمقدار ما يملكه من شجاعةٍ في تسمية الداء، وصدقٍ في توجيه الدواء. وحين يعلو صوتُ التحذير من الظلم من منصة الشأن الديني، فإن ذلك ليس حدثًا عابرًا في روزنامة الخطاب، بل إعلانُ موقف، وتجديدُ عهد، وتذكيرٌ بأن العدالة ليست خيارًا ثقافيًا، بل فريضةٌ شرعية، وسُنّةٌ كونية، وقاعدةُ بقاء.ومن هذا الأفق العالي، جاء التوجيهُ بتخصيص خطبة الجمعة للحديث عن خطر الظلم والتحذير منه؛ توجيهٌ يشي بفقهٍ راسخ، وبصيرةٍ نافذة، وإحساسٍ عميق بمسؤولية الكلمة حين تُقال من منبرٍ يُخاطب الضمائر قبل الآذان، ويطرق القلوب قبل العقول. إن الظلم ليس مجرد انحرافٍ سلوكي، ولا خطأٍ عابر، بل هو جريمةٌ مركّبة، تبدأ بفكرةٍ مستخفّة، وتنتهي بخرابٍ شامل؛ خرابٍ في العقيدة، وخرابٍ في الأخلاق، وخرابٍ في العمران. وما من أمةٍ تساهلت مع الظلم إلا دفعت ثمنه أمنًا، واستقرارًا، ووحدةً، ولو بعد حين. ولذلك لم يكن عجيبًا أن يعلن الله - جلّ جلاله - تحريم الظلم على نفسه، وهو القادر الذي لا يُسأل عما يفعل، ثم يحرّمه بين عباده تحريمًا قاطعًا لا يقبل المساومة ولا التأجيل: (يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا).
إنه خطابُ الربوبية للعبودية، ورسالةُ السماء إلى الأرض، وقاعدةُ العلاقة بين الخالق والمخلوق، وبين المخلوق والمخلوق.
وقد بلغ التوجيه ذروة فقهه حين قرّر أن أعظم الظلم وأشده خطرًا هو الشرك بالله تعالى؛ إذ هو عدوانٌ على حقّ الألوهية، وتشويهٌ لصفاء التوحيد، وانقلابٌ على الفطرة التي فطر الله الناس عليها. فالشرك ليس مجرد خطأ اعتقادي، بل هو ظلمٌ كونيٌّ شامل، يخلخل ميزان الوجود، ويقطع الصلة بين العبد وربه، ولذلك جاء الحكم الإلهي صارمًا حاسمًا: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. وما عدا هذا الظلم، فإنما هو فروعٌ تتشعّب عنه، وآثارٌ تنحدر من منبعه. ثم.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
