تواجه الصين تراجعًا تاريخيًا في معدلات المواليد وصل إلى أدنى مستوياته على الإطلاق، مما يعمق المخاوف من صدمة اقتصادية كبرى في العقود القادمة مع تقلص القوى العاملة الهائلة وتضخم أعداد المتقاعدين الذين يعتمدون على صناديق المعاشات.
ورغم الحزم السياسية المتتالية التي أطلقتها السلطات الصينية لتحفيز الإنجاب -من المنح النقدية والإعفاءات الضريبية إلى القوانين الجديدة التي تسهل الزواج- إلا أن البيانات الصادرة الشهر الماضي تظهر فشل هذه الجهود في وقف التراجع.
لكن بكين تضع عينها الآن على حل بديل محتمل: الروبوتات والأتمتة.
يقود الزعيم الصيني شي جين بينغ منذ سنوات توجهًا لتطوير وأتمتة قطاع التصنيع، كجزء من هدف بكين لتحويل البلاد إلى قوة تقنية ذاتية الاكتفاء.
هذا التوجه يلتقي الآن مع مساعي معالجة الخلل السكاني الذي يهدد، إذا لم يتم تداركه، بانهيار نظام المعاشات، ورفع تكاليف الرعاية الصحية للأسر، وسحق الإنتاجية.
يقول ستيوارت جيتل باستن، خبير الديموغرافيا في جامعة هونغ كونغ للعلوم والتقنية: "إذا استمرت الصين بنفس الوتيرة التي كانت عليها في العقود الثلاثة الماضية، فستواجه أزمة هائلة بسبب عدم التوافق بين نظامها السكاني ونظامها الاقتصادي.. لكن لماذا يفعلون ذلك؟".
ويرى الخبراء أنه إذا تم التعامل مع الأمر بشكل جيد، فإن دفع الصين نحو الأتمتة والذكاء الاصطناعي قد يقطع شوطًا طويلًا في منع النمو الاقتصادي من السقوط من "هاوية ديموغرافية"، على الأقل للعقود القادمة.
ثورة الروبوتات في أرقام تعد الصين بالفعل أكبر سوق للروبوتات الصناعية في العالم، وهي موطن لأكثر من نصف الروبوتات التي تم تركيبها عالميًا في عام 2024، وفقًا للاتحاد الدولي للروبوتات.
تمكنت المصانع الصينية، بفضل مستويات الأتمتة العالية، من ضخ كميات هائلة من السيارات الكهربائية والألواح الشمسية بأسعار منخفضة، مما أدى إلى ارتفاع فائضها التجاري مع بقية العالم.
تراهن بكين بقوة على الروبوتات البشرية، حيث تعمل أكثر من 140 شركة صينية حاليًا على تطويرها بدعم من المساعدات الحكومية.
يرى غوجون هي، أستاذ الاقتصاد في جامعة هونغ كونغ، أن الأتمتة يمكن أن تخفف بشكل كبير -وإن لم تحيد تمامًا- من الأثر الاقتصادي لتقلص القوى العاملة، خاصة في الإنتاج الصناعي.
شيخوخة السكان والرعاية الروبوتية لا تقتصر الرؤية الرسمية على الروبوتات كعمال في المصانع، بل كعاملين في الرعاية الصحية للسكان الذين تزيد أعمارهم عن 60 عامًا، والذين يشكلون حاليًا 23% من السكان، وقد يمثلون أكثر من نصف السكان بحلول عام 2100 وفقًا لتوقعات الأمم المتحدة.
وتشمل التوجيهات الحكومية الأخيرة تطوير واجهات الدماغ والحاسوب، والروبوتات الهيكلية الخارجية، و"البدلات العضلية" لمساعدة كبار السن الذين يعانون من تراجع الوظائف الجسدية، خاصة في ظل وجود جيل من الأطفال الوحيدين -بسبب سياسة الطفل الواحد السابقة- الذين يتعين عليهم رعاية والديهم دون أشقاء يشاركونهم العبء.
سباق الإنتاجية والمعاشات يعتمد الكثير من كبار السن في الصين على نظام المعاشات المدعوم من الدولة، والذي تشير التوقعات إلى أنه قد يواجه عجزًا مع شيخوخة السكان.
وهنا تبرز أهمية "السباق بين التقدم التكنولوجي وشيخوخة السكان"؛ فإذا زادت الإنتاجية بفضل التقنية، يمكن لكل عامل المساهمة بشكل أكبر في النظام لدعم المتقاعدين.
ومع ذلك، هناك عقبات؛ إذ تشير توقعات -بناءً على سيناريوهات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية- إلى أن الصين ستبقى متقدمة في هذا السباق حتى سبعينيات القرن الحالي، حيث سيصبح تراجع القوى العاملة أسرع من زيادة الإنتاجية.
مخاطر التحول التقني الجانب الآخر للعملة هو أثر هذا التحول على الوظائف، إذ تشير تقديرات الخبراء المحليين إلى أن هذه التقنية قد تؤثر على حوالي 70% من قطاع التصنيع في الصين.
وتواجه الصين معضلة مزدوجة، وتتمثل في نقص العمالة في بعض القطاعات والبطالة في قطاعات أخرى.
يؤكد الخبراء أن هذا يتطلب استثمارًا جادًا في "إعادة صقل مهارات" العمال لينتقلوا من العمل اليدوي المتكرر إلى العمل مع الأنظمة المؤتمتة أو في الخدمات ذات القيمة العالية.
وتظل الأتمتة جزءًا واحدًا من مجموعة إجراءات تتخذها بكين، تشمل أيضًا إصلاح نظام المعاشات -الذي شهد رفع سن التقاعد لأول مرة في 2024- والجهود المبذولة لإبقاء الناس في العمل الرسمي لفترة أطول.
هذا المحتوى مقدم من العلم
