رحلة الصوم الكبير: "من الجوع الجسدي إلى الشبع الروحي"

مصدر الصورة: BBC

"مكتوب: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت 4:4)، كلمات قالها يسوع المسيح بعد أن "صام أربعين نهاراً وأربعين ليلة" في البريةّ (الصحراء)، أثناء التجربة على الجبل، بحسب إنجيل القديس متى، تسلط الضوء على ضرورة ارتقاء النفس البشرية من "الماديات" إلى "الروحيات"، وتبرز الجوهر الذي تتأسس عليه الحياة والطقوس الدينية في الإيمان المسيحي، والتي من أبرزها الصوم الكبير.

والصوم الكبير أو "المقدّس" واحد من أهم وأطول الأصوام وأقدسها في حياة المؤمنين في مختلف الطوائف المسيحية التقليدية، الشرقية والغربية، إذ يمثل رحلة روحية خاصة تبدأ بما يعرف بـ "الصوم الأربعيني"، نسبة إلى 40 يوماً صامها المسيح نفسه في البريّة، يعقبه "أسبوع الآلام"، وصولاً إلى عيد "القيامة المجيد"، الذي يمثّل تذكار قيامة يسوع المسيح من بين الأموات، بحسب الإيمان المسيحي.

وتزداد خلال فترة الصوم الكبير الصلوات وحضور القداسات، فضلاً عن ألحان ذات طابع حزين (في الطقس القبطي)، كما يحرص فيه المؤمنون على قراءات يومية للكتاب المقدس لكل ما يبرز مفاهيم روحية عن التوبة والرجوع إلى الله.

وتنبع أهمية الصوم الكبير من كونه "وسيلة تغيير وتجديد داخلي للنفس البشرية"، لا تركز على الامتناع عن تناول أطعمة لفترة زمنية فحسب، بل تشمل صوماً للحواس والفكر والقلب، والسعي وراء أعمال الرحمة والمحبة تجاه الآخرين، فيها يتهيأ المؤمن لعبور "أسبوع الآلام" بقلب متواضع، وصولاً إلى اختباره ما يعرف بـ "فرح القيامة".

ويصف القمص بيشوي وديع في دراسته "الصوم الكبير كنيسة ملتهبة" أهمية هذه الفترة الخاصة بأنها: "حياة روحية بالدرجة الأولى، يتجمّل فيها الصائم بفضائل وجهادات روحية عميقة، وقد اعتبر الآباء هذه الفترة بمثابة موسم الخزين الروحي للعابدين".

ويضيف: "المؤمن يتجرد بالصوم من الحياة حسب الجسد ليحيا حسب الروح" عملاً بما قاله القديس بولس في رسالته لأهل رومية "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو 13:8)، ومن ثم تصبح "الحياة مع الله هي الغذاء والشبع الحقيقيين".

ونستعرض هنا أهم السمات المشتركة والمميزة للصوم الكبير في الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، مع إبراز أهم الفروق بين الطوائف المسيحية المختلفة، ثم تسليط الضوء على الهدف من الصوم عموماً في الكنيسة الجامعة، وطقوس وروحانية طقس الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، على نحو خاص.

الصوم الكبير في الشرق والغرب يختلف الصوم الكبير بين الكنائس التقليدية، الشرقية والغربية، من حيث بداية الصوم ومدته، رغم اشتراك هذه الطوائف في الهدف الأساسي منه واتفاقها على ممارسة روحانية خاصة والتوبة إلى الله والاستعداد لاستقبال عيد القيامة.

تبدأ الكنائس الغربية الكاثوليكية، بحسب الطقس اللاتيني، صومها دائماً يوم الأربعاء المعروف باسم "أربعاء الرماد"، حيث تُرسم على جباه المؤمنين علامة الصليب برماد أغصان النخيل والزيتون، المحفوظة من أحد الشعانين العام السابق، كعلامة للتوبة، بينما تبدأ الكنائس الشرقية الأرثوذكسية صومها يوم الإثنين، ويرجع هذا الاختلاف بين الكنائس إلى الطريقة التي تعتمدها كل كنيسة في حساب مدة الصوم.

تركّز الكنيسة الغربية على صوم لـ40 يوماً فعلياً قبل "أسبوع الآلام"، في حين تركز الكنيسة الشرقية في صومها على تقسيم الفترة إلى أسابيع متكاملة، يحمل كل أسبوع اسماً وموضوعاً روحياً محدداً، وتضيف الكنيسة القبطية على فترة الصوم الكبير ما يعرف بـ"أسبوع الاستعداد"، لتصل المدة إلى 55 يوماً وهي (أسبوع الاستعداد، والصوم الأربعيني، وأسبوع الآلام).

ولا تحتسب الكنيسة الكاثوليكية أيام الآحاد ضمن فترة الصوم، ومن حيث الصوم عن الطعام، يُلزم القانون الكنسي المؤمنين بعدم تناول اللحوم في يومين أساسيين هما الأربعاء والجمعة، ويكون الطعام بكميات معتدلة دون إسراف، لذا يركز الصوم الكاثوليكي بدرجة أكبر على البعد الداخلي والروحي للمؤمن، وعلى أعمال الرحمة والتقشف الشخصي، وهكذا لا تمثل فترة الصوم قانوناً غذائياً صارماً فحسب، بل كزمن لتغيير قلب وسلوك الفرد.

بينما يُعد الصوم الكبير في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أطول وأشد أصوام السنة صرامةً، فهو صوم من الدرجة الأولى "سيدي"، لأن المسيح صامه شخصياً، وتنظر إليه الكنيسة باعتباره مسيرة روحية متكاملة تُعاش أسبوعياً، لكل منها قراءاته الخاصة في الكتاب المقدس وموضوعه الروحي الخاص به.

ويلتزم الأقباط بالانقطاع اليومي عن الطعام والشراب طوال فترة الصوم حتى الظهر أو بعده بحسب القدرة والتدبير الروحي، بإرشاد أب الاعتراف، ومن حيث النظام الغذائي، يكون الطعام نباتياً بالكامل، إذ يُمتنع تماماً تناول اللحوم والدواجن والأسماك ومنتجات الألبان والبيض طوال فترة الصوم الكبير دون أي استثناءات.

كما يتميّز الصوم في الطقس القبطي بروح نسكية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتكثيف الصلوات والقداسات والتسابيح، لا سيما في "أسبوع الآلام"، والهدف أيضاً ليس مجرد الامتناع عن الطعام، بقدر ما هو لتدريب النفس على التحكم في إرادتها وشهوتها وضبط الحواس والدخول في عمق معنى التوبة.

أما الروم الأرثوذكس فيبدأون الصوم يوم الإثنين، ويعرف باسم "الإثنين النظيف"، ويمتد أربعين يوماً، ثم يتبعه "أسبوع الآلام"، وينظر إلى هذا الطقس كرحلة توبة جماعية، تتدرج روحياً عبر أسابيع تحمل موضوعات لاهوتية وروحية خاصة بها.

ويمارس المؤمنون انقطاعاً يومياً حتى منتصف النهار أو بعده بحسب الإرشاد الروحي، ويعتمد النظام الغذائي على الامتناع عن اللحوم ومنتجات الألبان طوال فترة الصوم، مع وجود استثناءات محددة في عيد البشارة وأحد الشعانين حيث يُسمح بتناول السمك، ويغلب على صوم الروم الأرثوذكس الطابع النسكي التقليدي، مع التركيز على الصلوات والمشاركة في القداسات الخاصة، وهكذا يتكامل الصوم الجسدي مع العبادة الجماعية في إطار روحي طوال الفترة.

أما الكنائس البروتستانتية فهي تختلف من حيث أنها لا تفرض طقوساً واجبة للصوم، مقارنة بالكنائس التقليدية في الطوائف الأخرى، إذ يكون التركيز فيها على ما يعرف بـ"الصوم التطوعي"، وفيه يختار المؤمن الامتناع عن أشياء معينة مثل الطعام أو عادات كتعبير منه على مدى التزامه الروحي، وبهذا المفهوم يكون الصوم بمثابة تعبير إيماني شخصي، دون ارتباط صارم بطقوس معينة تفرضها الكنيسة.

"جذور تاريخية" تعود الجذور التاريخية للصوم الكبير إلى العصر الرسولي، إذ ارتبط الصوم ارتباطاً وثيقاً بحدثين هما تذكار صوم يسوع المسيح أربعين يوماً في البريّة، والاستعداد لعيد القيامة، وبناءً عليه تطوّر عبر قرون عديدة داخل الكنائس، وتنوّعت مدته وطرق تنظيمه حتى استقر في داخل طقوس الكنائس التقليدية بصورته المعروفة حالياً، اعتماداً على تراث الآباء.

ويتتبع القمص تادرس يعقوب ملطي، بكنيسة مارجرجس القبطية الأرثوذكسية، سبورتنج بالإسكندرية، في دراسته "الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والروحانية"، تحت عنوان "الأصوام في الكنيسة القبطية: الصوم الأربعيني" أهم الجذور التاريخية للصوم الكبير ويقول إن الصوم الأربعيني تمتد جذوره التاريخية إلى العصر الرسولي، مستشهداً بما "جاء في كتابات القديس إيريناؤس، في القرن الثاني الميلادي، بأن بعض المؤمنين (كانوا) يصومون يوماً قبل الفصح وآخرون يومين والبعض فترة أطول، كما أشار (القديس إيريناؤس) إلى أن البعض (كانوا) يحسبون اليوم أربعين ساعة".

ويضيف أنه في منتصف القرن الثالث "جاءتنا شهادة عن امتداد الصوم لمدة ستة أيام (من الإثنين إلى السبت)"، ثم في سنة 325 ميلادياً، "جاء الحديث عن الصوم الأربعيني في مجمع نيقية كأمر مستقر في الكنيسة الجامعة، وليس كأمر مستحدث في كنيسة أو بعض الكنائس".

ويضيف القمص تادرس يعقوب ملطي أنه "في منتصف القرن الرابع نجد اهتمام القديس أثناسيوس الرسولي بكتابة رسائله الفصحية ... ويلاحظ في الرسائل التي وصلتنا أنه يدمج الصوم الأربعيني بأسبوع الآلام وإن كان يبرز التميز الواضح بينهما".

"شهادة للمسيح" يكمُن الهدف من الصوم الكبير في كونه "رحلة توبة وتجديد عهد المؤمن مع الله"، لذا يصفه البعض بأنه زمن تنقية القلب، وضبط الحواس، والتغلب على سلطان العادات السيئة، كي يستعيد الإنسان "صورته الأولى في المسيح"، مقترناً بالصلاة وقراءة منتظمة للكتاب المقدس، مع تدريب النفس على ما يعرف باسم "الجهاد الروحي"، ليتهيأ المؤمن في نهاية الفترة لعبور أسبوع الآلام باتضاع بغية اختبار "فرح القيامة".

ويقول القمص تادرس يعقوب ملطي في دراسته السابقة إن الصوم، خاصة الصوم الأربعيني "يلزم أن تكون غايته الشهادة للسيد المسيح والصلاة الدائمة لأجل تقديس البشرية، ففي كل صوم أربعيني يذكر المؤمن كيف صامت الكنيسة لأجله وجاهدت لتكسبه إناءً مقدساً وهيكلاً للرب، فيرد الحب بالحب عاملاً هو أيضاً لأجل خلاص غيره".

ويتحدث المتنيح الأنبا غريغوريوس، أسقف عام الدراسات اللاهوتية والثقافة القبطية والبحث العلمي في مصر، في مقال "الصوم الكبير"، المنشور على الموقع الرسمي للمعلم إبراهيم عياد، عن الهدف من الصوم الكبير، مستشهداً بما ورد في ( مجموعة القوانين لابن العسال ، الباب 15، فقرة 34)، قائلاً: "الصوم ليس هو عن الخبز والماء ، بل الصوم المقبول أمام الرب هو القلب الطاهر ، وإذا كان الجسد جائعاً وعطشاناً ، والنفس تأكل في الأعراض ، والقلب يتنجس باللذات ، فما هو الربح الذي لصومك؟ " .

"روحانية قبطية خاصة" الصوم الكبير هو فترة انقطاع ليس عن الطعام والشراب فحسب، بل عموماً هو انقطاع عن كل "التطلعات الشهوانية ومسرات الجسد وملاهي الدنيا"، بحسب دراسة القمص بيشوي وديع، مضيفاً أن الانقطاع في الصوم "له وجهان أحدهما سلبي والآخر إيجابي، ويليق بالمؤمن أن يعيش الوجهين معاً".

ويفسر: "سلبياً ننقطع عن اللحم والشحم والدسم الحيواني ونلتزم بما هو نباتي وفيه نسك وتقشف. وإيجابياً وهذا ما يهم بالأكثر التفرغ للعبادة والشبع بالسماويات، ومن هنا تعتبر فترة الصوم بمثابة تكريس للنفس: فيها تكريس الزمن لحساب الله والحواس كلها من أجل الشبع.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من بي بي سي عربي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من بي بي سي عربي

منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ ساعة
منذ 8 ساعات
منذ ساعة
منذ 7 ساعات
سي ان ان بالعربية منذ ساعة
سي ان ان بالعربية منذ 12 ساعة
قناة العربية منذ 8 ساعات
قناة العربية منذ 7 ساعات
قناة العربية منذ 8 ساعات
صحيفة الشرق الأوسط منذ 13 ساعة
قناة روسيا اليوم منذ 9 ساعات
سكاي نيوز عربية منذ 3 ساعات