في الحلقة الثانية من شهادته، روى رئيس الوزراء الأردني الأسبق أحمد عبيدات لـ«الشرق الأوسط» تفاصيل محاولة اغتيال للملك حسين بصاروخ «أرسله معمر القذافي» عبر مجموعة تابعة لوديع حداد، قائد «المجال الخارجي»، ذراع العمليات السرية لـ«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين».
كما يعرج عبيدات الذي تولى أيضاً رئاسة المخابرات ووزارتي الداخلية والدفاع، على كواليس المواجهة بين القوات الإسرائيلية والجيش الأردني والفدائيين الفلسطينيين في بلدة الكرامة الحدودية في مارس (آذار) 1968، مؤكداً أن الجيش الأردني «هو الذي حسم المعركة»، لكنه خرج «بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين».
رحل عبيدات مطلع الشهر الجاري. وكانت الشهادة سجلت قبل «طوفان الأقصى» الذي حالت تداعياته دون نشرها. وفي ما يلي نص الحلقة الثانية:
نحتاج إلى أن نعود قليلاً إلى الوراء ونتحدث عن ظروف «معركة الكرامة»؟
- «الكرامة» نقطة مفصلية في غاية الأهمية، أهميتها للجيش أولاً؛ لأن الجيش العربي عاش هزيمة 1967 وشعر بمراراتها؛ لأنه انسحب من الضفة الغربية ولم يستطع لأسباب عدة أن يدافع عنها، وبالتالي يشعر بمسؤوليته الأخلاقية والوطنية والقومية عن هذه الهزيمة.
وجاءت فرصة «معركة الكرامة» لاستعادة الروح المعنوية القتالية للجيش ويسترد فيها بعض اعتباره. جاءت «معركة الكرامة» فرصة مواتية لفعل شيء مهم.
إذن، برأيك أن الجيش الأردني هو الذي لعب الدور الأكبر في «معركة الكرامة»؟
- هو الذي حسم المعركة، هو أفشل بناء العدو جسوراً في مناطق عدة للدخول، ودُمّرت آلياتهم في الأرض الأردنية، وبالتالي لأول مرة بتاريخ إسرائيل يطلبون وقف إطلاق النار. وكان الراحل الملك الحسين هو من رفض.
إسرائيل لم تعترف بخُمس قتلاها، وعند السماح بإجلاء جرحى المعركة كانت الطائرات العامودية (تسيل) منها دماء الجرحى والقتلى.
هناك ضباط من كتيبة المدفعية الذين كانوا يسمون «ضباط الملاحظة»، وقد عرّضوا أنفسهم للموت، فقد كانوا يتقدمون بأقرب نقطة من العدو، ويعطون إحداثياتها بدقة، ثم يطلبون قصف الموقع الذي تم إرساله، أي أنهم أعطوا نقاط وجودهم كمواقع يتمركز فيها العدو، وبالتالي قصف الموقع. أي أن الجندي الأردني كان يحدد موقعه القريب من الجيش الإسرائيلي ليتم قصفه. وبذلك يتم قصف الجندي الأردني الذي يريد الشهادة دفاعاً عن أرضه واسترداداً لكرامته بعد هزيمة النكسة. لكن إعلان «الكفاح المسلح» ألغى دور الجيش في المعركة، وظهر الفدائيون بوصفهم أبطالاً حققوا النصر على إسرائيل. وكانت لذلك تداعيات كثيرة؛ لأنهم احتكروا النصر وتجاهلوا دور الجيش الأردني تماماً.
طبعاً «الكفاح المسلح» بعد هذا الادعاء، جمعوا مئات الملايين من التبرعات، وكانت الأموال الأكثر من حصة تنظيم «فتح». لقد سيطرت ماكينة الفدائيين على الإعلام العربي. وخرجنا من المعركة بهزيمة معنوية أمام ادعاءات الفدائيين.
وبالمناسبة، جميع التبرعات التي حصلت عليها التنظيمات الفلسطينية من دول عربية عدة لم تصل للشعب الفلسطيني، بل ذهبت لحساب التنظيمات وقياداتها.
إذن، برأيك تداعيات «معركة الكرامة» والحرب الإعلامية انسحبت على أحداث أيلول؟
- الجيش عندما دخل إلى عمّان في أحداث سبتمبر (أيلول) كان يريد أن يُخلّص الشعب الأردني من حالات فوضى السلاح والاستعراض بالقوة وحالة الفلتان الأمني في الشوارع.
فلما دخل الجيش وبدأ في طرد الفدائيين من عمّان أخذ كل شيء في طريقه. وحتى منزلي الذي استأجرته حديثاً بعد حادثة اختطافي وكان قريباً من مقر قيادة الجيش دخله الجيش الأردني ليفتش عن فدائيين، وكانت أسرتي تقيم في المنزل ساعة المداهمة. وقالت زوجتي لهم إن زوجي ضابط مخابرات، فرد عليها العسكري الأردني: بلاش كذب. ولم يخرجوا من البيت إلا بعد اتصالها معي، فكلفت ضابطاً عندنا قائد سرية المخابرات يتفاهم مع الجيش، وبعدها تركوا البيت وخرجوا. والمعنى هو أن الجيش قام بمسح المناطق من دون أن يفرّق بين هذا أردني أو فلسطيني. يريد استعادة السيطرة على الأمن وفقط.
كل ذلك اضطرني إلى إرسال أسرتي إلى منزل والدي ووالدتي في محافظة إربد شمال المملكة.
ألم يتدخل الجيش السوري وأدخل قوات عسكرية إلى محافظات الشمال؟
- نعم. عندما دخل الجيش السوري إلى مناطق من شمال البلاد، كانوا يرفعون أعلام منظمة التحرير الفلسطينية على الدبابات السورية. عرفنا لاحقاً بأن قرار تحرك الجيش السوري كان قراراً سياسياً من حزب «البعث»، وأن حافظ الأسد الذي كان وزيراً للدفاع استجاب للقرار مضطراً، وبالأخير تراجعت الدبابات السورية.
وماذا عن تدخل العراقيين؟
- العراقيون كانوا موجودين، لكنهم لم يتدخلوا، هناك ما يجب قوله في هذا المجال.
أولاً: ما سمعته من العراقيين بأن الدولة والقوات العراقية الموجودة، لم يكن في خاطرها أو نواياها أي مشاركة في عملية تستهدف إنهاء الحكم الملكي الهاشمي في الأردن. وذلك قطعاً بسبب أن العراقيين لا يريدون حمل مسؤولية القضية الفلسطينية وأعبائها من اتصالات سياسية دبلوماسية أو من حيث التعامل مع الفدائيين؛ لذلك كان تقديرهم بأنهم لا يريدون المشاركة في مغامرة غير محسوبة.
ثانياً: ما فهمته من رواية أخرى، لكن لا أستطيع تبنيها. وهي أن قيادة العمليات في الجيش تسلمتها شخصية باكستانية، فكان الرئيس ضياء الحق يتسلم العمليات في القيادة، وكان يرسل برقيات وضعت كثيراً من القوات العراقية وغيرها في حالة ارتباك أوهمتهم أن هناك وحدات عسكرية ضاربة سيصطدمون معها أو ستهاجمهم، فأخذت القوات العراقية وضع الاحتياط والتحفز أكثر من وضع الهجوم.
وعرفنا لاحقاً أن وفداً من «فتح» وكان من بينهم أبو إياد زار العراق معاتباً. فقابلهم أحمد حسن البكر وتحدثوا بصراحة متناهية، مقدمين اللوم على الحكومة العراقية، فرد عليهم البكر: «إحنا يا إخوان دولة لها روح واحدة. إذا غلطت غلطة جوهرية تنتهي، أنتم مثل (البزون) على رأي العراقيين أي القطط، لكم سبع أرواح إذا راحت روح تيجي غيرها، فتستطيعون عمل ما بدا لكم. أما نحن لا نستطيع نكون مثل البزون. نحن دولة مش قطة لها سبع أرواح. الغلطة تأخذنا إلى الأبد؛ ولذلك ما حد يعطينا نصائح، ومع السلامة».
هل تعتقد أن ظلم الجيش الأردني برواية «معركة الكرامة» والترويج للفدائيين فقط جعلها مصدر الشرعية لعرفات وللمنظمة؟
- والله لا أعلم، إن كانت فقط بحدود الشرعية لياسر عرفات بعد «معركة الكرامة». المشكلة أن عرفات نال شرعيته على حساب الجيش الأردني الذي قاتل ببسالة وصمود. وأعيد وأكرر أن الجيش الأردني، بسلاح مدفعيته وليس بسلاح الجو والطيران، هزم إسرائيل.
لقد روى لي المرحوم محمد بشير إسماعيل، وكان مديراً للاستخبارات العسكرية، أن إحدى آليات الجيش الإسرائيلي التي تمركزت في منطقة الشونة الجنوبية، وهي تابعة للقيادة الإسرائيلية، والتي تركها الإسرائيليون قبل تراجعهم، وجدوا داخلها وثائق، وبعد مصادرتها وتحليلها تكشفت الخطة الإسرائيلية التي أرادت أن يتحرك الجيش الإسرائيلي من الكرامة ثم غور الأردن ارتفاعاً نحو جبال السلط، وصولاً إلى منطقة السرو القريبة من عمّان، ومن هناك يتم فرض التفاوض مع الحكومة الأردنية.
كانت هذه خطتهم بعد أن ينهوا موضوع المنظمات الفدائية كاملة؛ لأن المنظمات الفدائية تركت مواقعها التي قاتلت بالكرامة. هنا لا ننكر بأن بعض المنظمات الفدائية الفلسطينية قاتل عناصرها ببسالة، ومنهم من استشهد ومنهم من ترك موقعه وتراجع، ومنهم من اختفى. هناك بطولات كانت من الجانبين، لكنها كانت فردية من قِبل الفدائيين والمقاومة؛ وهذا حتى لا نكون ظلمنا أحداً.
من يتحمَّل مسؤولية ما حدث في أيلول؟
- الذي أعلن نفسه سلطة فوق السلطة. بمعنى أن لا سلطة فوق سلطة المقاومة. الذي أراد قيام سلطة غير السلطة الشرعية بالمملكة، ومن تدخل في كل شيء حتى بالمحاكم الشرعية بالزواج والطلاق. الذي يقطع الطريق على الناس في المدن والقرى والذي يعتقل الضباط والجنود وهم متوجهون إلى أسرهم خلال إجازاتهم. كل هؤلاء يتحمّلون المسؤولية. الذين حاولوا التصرف كأنهم أمن وجيش داخل مقار التنظيمات والتي أصبحت بديلاً عن مؤسسات الدولة.
لقد كانت هناك دولة موازية، من الأغوار بصفتها خط مواجهة مع العدو إلى عمّان. من فعلوا ذلك هم الذين يتحمّلون المسؤولية.
من كان يُهدّد من يرتكب مخالفات في عمّان بإنزال المخالف لمنطقة الغور، ومن المفارقات المضحكة المبكية أن عنصر المقاومة الذي يرتكب مخالفة في عمّان يُهدّد من أبي عمار وجماعته والقيادات التابعة له بإنزاله للأغوار لمواجهة إسرائيل. هذا من يتحمّل مسؤولية. من فتح مقار له ومكاتب مارست نشاطاتها بالطول والعرض في عمّان بعد نقلها من الأغوار. هذا الذي يتحمل المسؤولية.
هل كان لديكم قلق في أحداث 1970 من سقوط الدولة؟
- في المخابرات العامة لم يكن هناك قلق من ذلك، وكنا نعتقد أن هذه أزمة أيام وستنتهي وسيُفرض النظام وكل شيء سيعود لطبيعته.
لقد وقعت بيد الجيش الأردني خطة وجدوها عند قائد جيش التحرير في عمّان قائد «الكفاح المسلح» تفيد بتقسيم عمّان لمناطق لمنع الجيش من دخولها. لذلك؛ كان الدور للجيش في «معركة الكرامة» وأحداث أيلول.
هل كان صعباً على الملك أخذ القرار بهذا الشأن؟
- القرار تأخر كثيراً، هذا الكلام كنا نسمعه دائماً وأبداً، وكان يسمعه من الجيش وكان يسمع عبارات قاسية من الجنود وضباط الصف. كان الراحل الحسين يسمع شبه إهانات، مثل: شو اللي قاعد بتعمله فينا؟ ليش تارك الأمور هيك؟
وبهذا الشكل حسم القرار بالمواجهة. فالجيش شعر بمرارات الإهانة من مسلكيات الفدائيين وسلوكهم في بث الفوضى وأنهم سلطة فوق سلطة الدولة.
هل تعاملت مع ملف وديع حداد؟
- وديع حداد كان مشهوراً عندما كنت مديراً للمخابرات، وهو من كان وراء إرسال صواريخ لضرب طائرة الملك حسين خلال أعوام 1975 و1976 و1977. أرسل حداد صاروخاً للأردن مع مجموعة يقودها مواطن أردني الجنسية اسمه بريك الحديد، وهو من عشيرة معروفة في عمّان، وكان منتمياً إلى «الجبهة الشعبية». وقد كانت مجموعة تابعة له ترصد طائرة الملك حسين. وكان المقصود ضرب الطائرة بصاروخ بمعرفة القذافي وموافقته.
هل هذه معلومات المخابرات وقتها؟
- 100 في المائة. القذافي شخصياً زوَّدهم بهذا الصاروخ وتم نقله إلى الأردن، وقد رصدت المخابرات جميع تحركات المجموعة بقيادة بريك الحديد منذ اللحظة الأولى. وقد ألقي القبض على المجموعة لاحقاً، واضطررنا إلى إبلاغ الملك حسين.
وبالفعل، طارت طائرة الحسين في الموعد المقرر لها من مطار ماركا العسكري؛ وتحسباً لأي مفاجأة طارت بعكس الاتجاه الذي كان محدداً لمسارها، مع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الشرق الأوسط
