مارس الإنسان الفنون منذ آلاف السنين، حتى قبل أن يعرف القراءة والكتابة؛ فقد صوّر على جدران كهفه من الداخل، وعلى السفوح الجبلية المحيطة به، مناظر من حياته اليومية ومشاهد تعكس البيئة الطبيعية لزمن سحيق. وبهذا، ترك رسومات تشهد على تفوقه وتكيفه مع بيئة متغيرة، ونجاحه في التصدي لتقلباتها وتجاوز مخاوفه من الطبيعة وحيواناتها، موثقًا طموحاته ورغباته ومخاوفه في شكل فنون ما زالت صامدة حتى اليوم.
وهكذا، كانت الفنون الصخرية أول عملية تسجيل ثقافي لفترة ما قبل التاريخ في شبه الجزيرة العربية، وتُعد واحدة من الشواهد الثقافية والفنية التي تسجل البيئة والمعتقدات البشرية القديمة، عبر استحضار مجموعة من الأشكال الآدمية والحيوانية وتمثيلها على الواجهات الصخرية، لتترك لنا كثيرًا من الأدوات الأثرية التي تمثل كنزًا حضاريًا يشير إلى مدى التقدم والإبداع الذي رافق إنشاء هذه الرسومات.
وتزخر شبه الجزيرة العربية بكثير من الفنون الصخرية التي تستحضر الحيوانات على الواجهات الصخرية، ولا سيما في السعودية، وتحمل كمًا هائلاً من الإرث الثقافي والتاريخي والحضاري. وتتنوع الفنون الصخرية فيها من حيث المواضيع والأشكال وأساليب التنفيذ، مما جعل السعودية من أغنى المتاحف الطبيعية في العالم بهذه الفنون التي ما زالت تحافظ على مظهرها الأصلي رغم مرور آلاف السنين.
أشهر المواقع
تنتشر آلاف المواقع للفنون الصخرية في جميع أنحاء السعودية، الغنية بتراثها الثقافي. يمكن إرجاع هذا الفن إلى جماعات ما قبل التاريخ، ثم إلى البدو الرحل الذين كانوا يتجولون في صحاري شبه الجزيرة العربية، وتُظهر بعض العناصر الثقافية التي يعكسها الفن الصخري استمرارية للأنشطة الثقافية التقليدية القديمة من عصور غير محددة.
وتشمل المواقع الأثرية البارزة في ما يلي:
1- منطقة حائل (موقعا جبة والشويمس): تُعد من أشهر المواقع ومصنفة كموقع تراث عالمي لليونسكو.
2- منطقة حمى الثقافية (نجران): موقع أثري يزخر بالنقوش والرسوم الصخرية التي تعود إلى العصرين الحجري القديم والحديث، وتعد موقعًا آخر مسجلاً كتراث عالمي لليونسكو، وهي غنية بالنقوش التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ.
3- منطقة تبوك: تضم عددا من المواقع التي تحتوي على رسومات صخرية، لا سيما رسومات للخيل العربي.
4- جبل خنوقة (الدوادمي): يقع على بُعد حوالي 70 كلم من الدوادمي، ويحتوي على كهف أثري واجهته مزينة ببعض الرسوم والنقوش.
5- قرية الفاو (جنوب الرياض): موقع أثري هام يضم نقوشًا صخرية.
إضافة إلى عدد من المواقع الأخرى.
منطقة حائل
تُعدّ جبة والشويمس من أهم وأكبر المواقع الأثرية في منطقة حائل بالسعودية، وهي من أكبر مواقع الرسوم الصخرية في المنطقة العربية، حيث يعود تاريخها إلى ما يزيد عن 10 آلاف سنة قبل الميلاد.
وقد أُدرج الموقعان ضمن قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو عام 2015، ليصبحا رابع المواقع الأثرية السعودية التي تنال هذا التصنيف.
تقع جبة على بعد 60 كم من حائل، بينما تبعد الشويمس 270 كم عنها. وتشتهر هذه المواقع بانتشار الرسوم الصخرية على واجهات الجبال، وتضم أشكالًا متنوعة من الرسوم الآدمية والحيوانية التي يعود أقدمها إلى فترة ما قبل التاريخ، وتتوزع تواريخ النقوش على عصور زمنية مختلفة.
تتميز الفنون الصخرية في موقعي جبة والشويمس في حائل بقِدمها مقارنة بمنطقة حمى الثقافية في نجران؛ إذ تعود أقدم النقوش في حائل إلى ما قبل التاريخ (العصر الحجري الحديث)، أي قبل 10.000 سنة، بينما يعود تاريخ النقوش في حمى إلى الألف السابع قبل الميلاد، مما يشير إلى استمرار النشاط الثقافي فيها على مدى 7 آلاف عام.
اعتمد الإنسان في منطقة حائل، الواقعة شمالي هضبة نجد في السعودية، على الصيد وجمع الطعام من مصادر متنوعة منذ ما قبل 10 آلاف عام. وقد سجّل هذا الإنسان أنشطته اليومية كالصيد والقتال، وغيرها، عبر نقشها أو رسمها بالألوان على سفوح الجبال والهضاب والصخور، وتنتشر هذه الآثار في أرجاء الجزيرة، مُصوّرةً الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان على أرض المملكة حاليًا.
تنوع الأنماط
يتميز الفن الصخري في منطقة حائل بتنوع كبير في الأنماط، ليشمل الأشكال البشرية والحيوانية والزخارف الهندسية وغيرها. وقد عكس هذا التنوع الاختلافات في طبقات العُتق، والتداخل، والتراكب، وكذلك العلاقة مع العناصر الثقافية الموجودة في المواقع الصخرية أو بالقرب منها.
وقد مكّن هذا الأمر الباحثين من وضع تسلسل زمني أولي نسبي للفن الصخري في حائل، مقسّمًا إلى 4 عصور زمنية مختلفة، وهي.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
