كثّفت الولايات المتحدة وجودها العسكري في منطقة الخليج، في خطوة تعكس مستوى متقدمًا من الجاهزية، وسط تصاعد التوتر مع إيران. وأظهرت التحركات الأخيرة أن الانتشار العسكري الأمريكي يتجاوز إطار الرسائل التحذيرية، ويتجه نحو إعداد عملي لخيارات عسكرية محتملة.
ووصلت مجموعة حاملة الطائرات الضاربة "يو إس إس أبراهام لينكولن" إلى مناطق قريبة من المياه الإيرانية، في تطور يُعد من أبرز مظاهر التصعيد الحالي. كما شوهدت حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد" أثناء تحركها شرقًا بعد تمركزها قرب مضيق جبل طارق، في مؤشر على استعداد لدعم عمليات عسكرية عند الحاجة. وترافق ذلك مع نقل أصول عسكرية إضافية إلى المنطقة، ما يعزز فرضية إعداد سيناريوهات متعددة للتعامل مع تطورات محتملة.
تعثّر المسار الدبلوماسي تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه الاتصالات غير المباشرة بين واشنطن وطهران حالة من الجمود، ما يثير مؤشرات على تعثر المسار الدبلوماسي. ويرى مراقبون أن استمرار الحشد العسكري قد يمهد لخيارات ميدانية إذا لم يحدث اختراق سياسي. في المقابل، تواصل القيادة الإيرانية رفض الشروط الأمريكية المطروحة لاستئناف المحادثات. وتعتبر طهران أن هذه الشروط لا تمثل أساسًا تفاوضيًا، بل تندرج ضمن مطالب تُلزمها بتنازلات جوهرية تمس بنيتها الأمنية.
وتشمل المطالب الأمريكية وقف تخصيب اليورانيوم، وتقييد مدى الصواريخ الباليستية بما يمنع تهديد إسرائيل، ووقف دعم الجماعات المسلحة في المنطقة، إضافة إلى مطالب تتعلق بالوضع الداخلي، وفق تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. وترى إيران أن هذه الملفات تشكل عناصر أساسية في استراتيجيتها الدفاعية. ففي ظل غياب تحالفات دولية قوية، اعتمدت طهران على بناء شبكة نفوذ إقليمي تُعرف بـ"محور المقاومة"، بهدف نقل ساحات المواجهة خارج حدودها. كما تعتمد على برنامج الصواريخ الباليستية لتعويض محدودية قدراتها الجوية.
ورغم التأكيد الرسمي على الطابع السلمي للبرنامج النووي الإيراني، فإن امتلاك دورة تخصيب مكتملة يُنظر إليه كعامل ردع، يمنح طهران قدرة تقنية متقدمة تتيح الانتقال إلى الاستخدام العسكري بقرار سياسي، دون الحاجة إلى امتلاك سلاح نووي فعلي. وتعتبر القيادة الإيرانية أن التخلي عن هذه القدرات سيؤدي إلى إضعاف منظومة الردع التي بنتها على مدى عقود. ووفق تقديرات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، فإن القبول بالشروط الأمريكية قد يحمل مخاطر استراتيجية تفوق كلفة مواجهة عسكرية محدودة مع الولايات المتحدة في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب.
خطر الانزلاق العسكري قد يحمل أي تصعيد عسكري مخاطر كبيرة. إذ يُحتمل أن تبدأ أي حملة أمريكية باستهداف مراكز القيادة العليا، ما قد يؤدي إلى اضطراب في هيكل السلطة الإيراني في توقيت يشهد فيه النظام ضغوطًا داخلية متزايدة. كما أن استهداف الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية قد يضعف الجهاز الذي أعاد فرض سيطرته مؤخرًا عقب حملة قمع واسعة للاحتجاجات. ولا تزال حالة الاحتقان الشعبي قائمة في الداخل الإيراني، ما يجعل أي تراجع في القبضة الأمنية عاملًا قد يغير التوازنات الداخلية.
وتواجه إيران، إلى جانب ذلك، تحديات اقتصادية متراكمة نتيجة العقوبات وارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية. ويُتوقع أن يؤدي أي اضطراب في صادرات النفط أو تضرر البنية التحتية إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية وزيادة الضغوط الاجتماعية. في المقابل، لا تخلو الحسابات الأمريكية من مخاطر مماثلة. فرغم التفوق العسكري، تبقى نتائج أي مواجهة عرضة للتصعيد غير المحسوب وتداعيات قد تتجاوز الأهداف المعلنة.
وكانت المواجهة الأخيرة التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل قد كشفت عن ثغرات في البنية العسكرية الإيرانية، لكنها أظهرت في الوقت نفسه قدرة طهران على امتصاص الضربات وإعادة تنظيم قدراتها. ويرى محللون أن إضعاف السلطة المركزية في إيران لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار الإقليمي، إذ قد يؤدي إلى فراغات سياسية وأمنية تُعقّد المشهد وتفرض تحديات إضافية على واشنطن وحلفائها.
وفي ظل هذه المعطيات، تواجه القيادة الإيرانية خيارات محدودة، بين قبول شروط تُعد تهديدًا مباشرًا لاستراتيجية الردع، أو الاستمرار في الرفض بما يرفع احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية في وقت يشهد فيه الداخل الإيراني هشاشة متزايدة.
هذا المحتوى مقدم من العلم
