لا تُولد الحضارة من فراغ، ولا تنشأ الأمم في لحظةٍ عابرة ثم تكتمل فجأة. كل ما نراه اليوم من عمرانٍ وفكرٍ واقتصادٍ وسياسة ليس إلا امتداداً لزمنٍ طويلٍ تشكّلت فيه التجارب، وتراكمت فيه الأخطاء، ونضجت فيه الرؤى. التاريخ ليس أرشيفاً للأحداث، ولا سجلاً للانتصارات والهزائم، بل هو المسار العميق الذي تتشكل عبره هوية الإنسان، وتتحدد عبره قدرة الأمم على فهم ذاتها.
حين تنظر أمةٌ إلى حاضرها دون أن ترى جذوره، فإنها ترى سطحاً بلا عمق. أما حين تقرأ حاضرها بوصفه نتيجة لمسارٍ ممتد، فإنها تبدأ بفهم موقعها الحقيقي في الزمن. في تلك اللحظة تحديدًا، لا يتغير شكل الدولة فقط، بل يتغير شكل الوعي؛ لأن الحضارة في جوهرها ليست أبنية شاهقة ولا أرقاماً اقتصادية، بل قدرة على إدراك السياق الذي تتحرك فيه.
الوعي بالتاريخ لا يعني الانشغال بالماضي، بل يعني فهم كيف وصلنا إلى هنا. كل قرار سياسي يحمل أثر تجارب سابقة، وكل تحوّل اقتصادي هو امتداد لمسارات طويلة من التفاعل بين الإنسان وبيئته وأفكاره. ما يبدو لنا اليوم جديدًاً هو في كثير من الأحيان إعادة تشكلاً لأسئلة قديمة بصيغة مختلفة. وحين يُقرأ الحاضر دون إدراكٍ لتلك الجذور، يصبح التحليل سطحياً مهما بدا منطقياً.
الحضارات التي ازدهرت لم تكن مجرد قوى مادية، بل كانت تملك وعياً بمسارها. كانت تعرف ما الذي كونها، وما الذي هددها، وما الذي يمكن أن ينهض بها من جديد. أما الحضارات التي فقدت هذا الإدراك، فقد ظنت أن اللحظة تكفي، وأن ما تملكه الآن ضمانٌ أبدي، حتى اكتشفت أن الحركة بلا فهم لا تصنع استقراراً.
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات، وتتبدل فيه موازين القوى، وتتشابك فيه المصالح الاقتصادية والسياسية على نحوٍ معقّد، يبدو الزمن وكأنه يتحرك بسرعة غير مسبوقة. غير أن هذا التسارع لا يُفهم إلا بالعودة إلى مساراته. فالصراعات الحالية، والتحالفات المتغيرة، وإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي، كلها امتدادٌ لتراكماتٍ سابقة، لا قطيعةٌ معها. من يقرأ المشهد بهذه النظرة يدرك أن التحول ليس.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من صحيفة الوطن السعودية
