تتسارع وتيرة نمو الذكاء الاصطناعي عالمياً، ما أدى إلى زيادة هائلة في بناء مراكز البيانات التي تُشغِّل هذه الأنظمة. لكن هذه المراكز تواجه تحديات متفاقمة على الأرض، مثل استهلاك الكهرباء والماء، وتوليد حرارة عالية، وتأثيرات بيئية ملحوظة. من هنا ظهرت فكرة جريئة: ماذا لو نقلنا مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي إلى الفضاء الخارجي؟.
يتزايد الطلب على الحوسبة في الذكاء الاصطناعي بسرعة غير مسبوقة. في الولايات المتحدة وحدها، من المتوقع أن تستهلك خوادم الذكاء الاصطناعي ما يعادل 22% من طاقة الأسر الأميركية بحلول 2028، ما يرفع تكاليف الكهرباء ويضاعف الضغط على الشبكات الكهربائية.
بالإضافة إلى الطاقة، تواجه مراكز البيانات تحدياً كبيراً في التبريد. فالمعالجات الحديثة تولد حرارة عالية لدرجة تجعل التبريد بالهواء غير كافٍ، ولذا تُستخدم أنظمة تبريد تعتمد على تبخر المياه، التي تمتص حرارة أكبر، لكنها تستهلك ملايين الغالونات من الماء يومياً، مما يؤثر على موارد المياه المحلية.
«ميتا» تُعلن صفقة ضخمة مع «إنفيديا» لتوسيع نطاق رقائق الذكاء الاصطناعي
إيجابيات نقل مراكز البيانات إلى الفضاء
في الفضاء، تتعرض الألواح الشمسية لضوء الشمس 24 ساعة يومياً دون غيوم أو جوّ يعيق الإشعاع. هذا يتيح إنتاج طاقة بأعلى كفاءة ممكنة، ويمكن أن تكون الطاقة الشمسية أكثر فاعلية بنحو 8 10 مرات مقارنة بالأرض، مع تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة الأحفورية تماماً.
كما يمكن استخدام التبريد الإشعاعي في الفضاء، حيث تنتقل الحرارة عبر الإشعاع في الفراغ، بدلاً من الهواء. وبهذا يمكن تقليل الحاجة إلى أنظمة تبريد ثقيلة ومياه تبريد كبيرة، ما يقلل التأثير البيئي ويخفض التكاليف التشغيلية.
إلى ذلك، يوفر الفضاء «أرضاً افتراضية غير محدودة» للبناء والتوسع. يمكن تصميم هياكل عمودية ثلاثية الأبعاد وربط مجموعات من الأقمار الصناعية المجهزة بوحدات حوسبة لتقديم خدمات ومعالجة بيانات على نطاق غير محدود، وهو ما لا يمكن تحقيقه بسهولة على الأرض بسبب قيود المساحة والبنية التحتية.
من الناحية النظرية، يمكن أن توفر مراكز البيانات في الفضاء عزلاً أمنياً أكبر، ما يقلل من احتمالات الهجمات السيبرانية، ويضمن نزاهة البيانات وقواعدها الدولية.
التحديات التقنية والواقعية
رغم الجاذبية النظرية للفكرة، هناك عقبات تقنية ضخمة تحول دون تنفيذها في الوقت الحالي، قد يكون أكبرها تبديد الحرارة. فبدون جو، لا يوجد نقل حراري عبر الهواء، وتبقى الحرارة تنتقل فقط عبر الإشعاع، وهو أقل كفاءة بكثير، مما يتطلب أسطحاً إشعاعية ضخمة لتبريد وحدات الحوسبة الكبيرة.
كما أن إرسال معدات ثقيلة إلى الفضاء يعد أمراً باهظ التكلفة. حتى الآن، تكاليف الإطلاق تتراوح بين 1,500 3,000 دولار للكيلوغرام الواحد، ويجب تطوير مركبات وعتاد خاص يتحمل الإشعاع ودرجات الحرارة القاسية.
هذا وتتعرض المعدات الحاسوبية في الفضاء لإشعاع قوي يمكن أن يضر المكونات الدقيقة، يتطلب ذلك تعزيز حماية الأجهزة أو استخدام شرائح خاصة، مما يزيد التكاليف ويعقد التصميم.
ويرفع تزايد أعداد الأقمار الصناعية في المدار المنخفض للأرض من خطر التصادمات، وقد يؤدي وجود آلاف الأجهزة الواصلة إلى حالات (Kessler) من شظايا الفضائية، ما قد يقوض الاستدامة طويلة الأمد.
«سبيس إكس» تركز على القمر وتؤجل خططها للمريخ
جهود وشركات تتجه نحو الفضاء
هناك مشاريع ومبادرات في مراحل مختلفة من التطور، منها مشروع Project Suncatcher من غوغل الذي يستهدف إطلاق أقمار صناعية مزودة بحوسبة في الفضاء بحلول 2027، للاستفادة من الطاقة الشمسية وتخفيض التأثير البيئي.
وتفيد تقارير بتقديم «سبيس إكس» (SpaceX) طلباً لإطلاق ملايين الأقمار الصغيرة لتشكيل شبكة حسابية في المدار.
في المقابل، وصف سام ألتمان، المدير التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» (OpenAI) هذا المفهوم بأنه سخيف في المرحلة الحالية بسبب التحديات الاقتصادية والتقنية.
رغم أن الفكرة تبدو وكأنها من عالم الخيال العلمي، إلا أن الضغط المتزايد على البنية التحتية الأرضية، واحتياجات الطاقة والتبريد الهائلة لمراكز البيانات الحديثة، كلها عوامل تدفع الخبراء والشركات إلى التفكير في حلول جذرية خارج كوكب الأرض. مع ذلك، لا تزال العقبات التقنية والاقتصادية الكبيرة قائمة، مما يجعل تحقيق هذا الطموح على نطاق واسع أمراً بعيداً نسبياً عن الواقع في المستقبل القريب.
ولكن إذا تم التمكن من معالجة المشاكل الرئيسية مثل الإشعاع، التبريد، الإطلاق، والحطام الفضائي بكفاءة، فإن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الفضاء قد تصبح جزءاً من مستقبل الحوسبة العالمي بحلول منتصف القرن، مع فوائد بيئية واقتصادية محتملة كبيرة.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس
