في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط على خلفية الغارات الجوية الإسرائيلية والأميركية على إيران، وردّ طهران بالضربات، تعود المخاوف في لبنان بشأن أمن الإمدادات الغذائية واستقرار السوق المحلية.
فالدولة التي عاشت أزمات اقتصادية متلاحقة منذ عام 2019، ومرت بتجارب حرب ونزوح متكررة، تجد نفسها مجدداً أمام اختبار القدرة على الصمود الاقتصادي.
نقيب مستوردي المواد الغذائية في لبنان، هاني بحصلي، كشف لـ«إرم بزنس»، أن السوق اللبنانية تمتلك مخزوناً غذائياً يكفي ما بين شهرين وثلاثة أشهر، لكنه حذر في الوقت ذاته من أن استمرار تدفق البضائع عبر مرفأ بيروت يبقى العامل الحاسم في تجنب أي أزمة تموين محتملة.
السندات السيادية اللبنانية تصل لأعلى مستوياتها في 6 سنوات
مخزون يكفي لعدة أشهر
بحصلي أكد أن السوق اللبنانية لا تواجه حالياً أزمة تموين، إذ إن البضائع الغذائية الأساسية متوافرة في الأسواق بكميات كافية تغطي احتياجات البلاد لعدة أشهر، مشيراً إلى أن هذه التقديرات تعتمد على متوسط المخزون الموجود لدى التجار والمستوردين والصناعيين في مختلف المناطق اللبنانية.
وأضاف أن لبنان لا يمتلك مخزوناً استراتيجياً مركزياً تديره الدولة للمواد الغذائية، كما هو الحال في بعض الدول الأخرى، بل إن المخزون موزع عملياً بين مستودعات القطاع الخاص من مستوردين وتجار ومصنعين، ولذلك يصعب تحديد أرقام دقيقة لكل سلعة غذائية على حدة، باستثناء بعض السلع الأساسية مثل القمح أو المحروقات التي يمكن احتساب مخزونها بشكل أكثر دقة.
أزمات متكررة
وأشار نقيب مستوردي المواد الغذائية في لبنان، إلى أن لبنان ليس غريباً عن مثل هذه الظروف، إذ سبق أن واجه سيناريوهات مشابهة خلال السنوات الماضية، سواء خلال حرب تموز عام 2006 أو خلال التصعيد العسكري الذي شهده البلد في أكتوبر 2024.
وقال لـ«إرم بزنس»، إن البلاد اعتادت إلى حد كبير على التعامل مع مثل هذه الأزمات، ما جعل القطاع التجاري أكثر قدرة على التكيف مع ظروف الحرب والتوترات الإقليمية.
ويرى أن الظروف الحالية لا تختلف كثيراً عن تلك التي عاشها لبنان في مراحل سابقة، حيث ظل خطر التصعيد العسكري مع إسرائيل قائماً حتى بعد اتفاقات وقف إطلاق النار أو التهدئة المؤقتة، وهو ما جعل حالة عدم الاستقرار جزءاً من المشهد الاقتصادي والسياسي في البلاد.
وعلى الرغم من ذلك، أكد بحصلي، أن التجربة المتراكمة للقطاع الخاص في إدارة الأزمات ساهمت في تطوير آليات غير رسمية لضمان استمرار توافر السلع الأساسية في الأسواق، حتى في أصعب الظروف.
سفينة شحن راسية في مرفأ بيروت في 21 أكتوبر 2024
ارتفاع محدود في التكاليف
وفيما يتعلق بتأثير التوترات الإقليمية على الأسعار، أوضح أن أي تصعيد عسكري في المنطقة ينعكس عادة على تكاليف الشحن والتأمين البحري، وهو ما يؤدي بدوره إلى ارتفاع محدود في أسعار بعض السلع المستوردة.
وأشار إلى أن القطاع واجه بالفعل ظروفاً مشابهة خلال الفترة الماضية، لا سيما عندما اضطرت شركات الشحن العالمية إلى تحويل مسار السفن بعيداً عن البحر الأحمر نتيجة التوترات الأمنية، والمرور عبر طريق رأس الرجاء الصالح في جنوب إفريقيا، وهو ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات البحرية وارتفاع تكاليف النقل.
وبحسب تقديراته، فإن الزيادة المتوقعة في تكاليف الشحن والتأمين في مثل هذه الظروف تتراوح عادة بين 2% و5%، وهي نسبة يصفها بأنها ليست ضئيلة لكنها تبقى بعيدة عن الارتفاعات الكبيرة التي قد تهدد استقرار السوق.
اختلاف طبيعة الحروب
وأضاف نقيب مستوردي المواد الغذائية أن هذا النوع من الحروب التي يواجهها لبنان يؤدي عادة إلى موجات نزوح واسعة داخل البلاد، حيث يضطر مئات الآلاف من السكان إلى مغادرة منازلهم والانتقال إلى مناطق أكثر أماناً أو إلى مراكز إيواء مؤقتة مثل المدارس الرسمية.
وأكد أن هذه التحركات السكانية تخلق بدورها تغيراً سريعاً في خريطة الطلب على المواد الغذائية، إذ تتراجع الحاجة إلى التموين في بعض المناطق التي تشهد نزوحاً، بينما ترتفع بشكل كبير في مناطق أخرى تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين.
سوريا تغلق معبرها الحدودي مع لبنان بعد تحذير إسرائيلي باستهدافه
إدارة التموين محلياً
وفيما يخص آليات توزيع السلع الغذائية خلال فترات الحرب، أشار بحصلي إلى أن لبنان، بحكم مساحته الجغرافية الصغيرة، يمتلك قدرة نسبية على إدارة حركة الإمدادات الغذائية بشكل أكثر مرونة مقارنة بالدول الكبيرة.
ويوضح أنه حتى في الحالات التي تتعرض فيها بعض المناطق للقصف أو الإغلاق الكامل، كان يتم في السابق تنظيم قوافل لنقل المواد الأساسية مثل الطحين والمحروقات إلى تلك المناطق، غالباً بالتنسيق مع الجيش اللبناني لتأمين مرورها.
وأضاف أن هذه الحلول كانت تُعتمد عادة بشكل سريع وعملي، في إطار تعاون غير رسمي بين القطاع الخاص والجهات الرسمية، لضمان استمرار وصول السلع الأساسية إلى السكان في المناطق المتضررة.
اقتصاد قائم على الكاش
أما فيما يتعلق بتمويل الاستيراد، فأشار نقيب مستوردي المواد الغذائية، إلى أن الأزمة المالية التي يعيشها لبنان منذ عام 2019 أدت عملياً إلى انهيار منظومة التمويل التقليدية التي كانت تعتمد على القطاع المصرفي.
وأكد أن شركات الاستيراد باتت تعتمد بشكل شبه كامل على رؤوس أموالها التشغيلية الخاصة، في ظل غياب التمويل المصرفي المحلي أو الخارجي، وعدم وجود سوق مالية فاعلة أو مصادر تمويل دولية يمكن اللجوء إليها.
وأضأف أن الاقتصاد اللبناني يعمل اليوم إلى حد كبير وفق نظام «اقتصاد الكاش»، حيث تُنجز معظم العمليات التجارية نقداً، وهو ما جعل القطاع التجاري يتكيف مع واقع اقتصادي مختلف جذرياً عن الأنظمة المالية التقليدية.
وزيرة السياحة اللبنانية لورا لحود: نمتلك مقومات النجاح رغم التحديات
مرفأ بيروت شريان الإمداد
وفيما يتعلق بالعامل الأكثر حساسية بالنسبة لأمن الإمدادات الغذائية في لبنان، شدد بحصلي على أن استمرار عمل مرفأ بيروت يمثل العنصر الحاسم في ضمان استقرار السوق.
وقال إن لبنان لا يمتلك عدداً كبيراً من المرافئ القادرة على استقبال السفن التجارية بكميات كبيرة، ما يجعل مرفأ بيروت الشريان الرئيسي لدخول السلع الغذائية إلى البلاد، يليه مرفأ طرابلس ولكن بقدرات أقل.
وحذر نقيب مستوردي المواد الغذائية، من أن أي تعطّل في عمل مرفأ بيروت قد يؤدي إلى أزمة تموين حقيقية، نظراً لاعتماد معظم عمليات الاستيراد عليه.
هذا المحتوى مقدم من إرم بزنس

