مولود على صوت مدفع شهر رمضان.. حين يمتزج الأذان بصرخة الحياة الأولى

في لحظةٍ لا تشبه أي لحظةٍ أخرى، وبينما كانت البيوت تستعد لسماع أذان المغرب بعد يومٍ طويلٍ من الصيام، انطلق صوت مدفع الإفطار معلناً نهاية ساعات الانتظار وبداية دفء اللقاء حول المائدة، لكن في أحد أركان المستشفى كانت بدايةٌ أخرى تتشكل، بدايةٌ لا ترتبط بطبق شوربة ساخن أو تمراتٍ موضوعة بعناية على صحنٍ مزخرف، بل بصرخةٍ صغيرةٍ اخترقت الصمت كما يخترق الضوء عتمة الفجر، معلنةً قدوم مولودٍ شهر رمضان، وقد اختار أن يرى الدنيا على إيقاع المدفع، وكأنّه أراد أن يقول منذ اللحظة الأولى إن حضوره ليس عادياً، وإن قصته ستُروى دوماً مقرونةً بصوتٍ يعرفه الجميع، ويترقبه الجميع بشغف.

لحظة الميلاد بين انتظارين كان الانتظار في ذلك اليوم مزدوجاً، انتظاراً للأذان الذي يحرر الصائمين من عطش النهار، وانتظاراً لصرخة طفلٍ يحرر قلب أمّه من قلق تحفيز المخاض، وكانت الساعة تقترب من المغرب بخطواتٍ متسارعة، فيما كانت الأم تستجمع أنفاسها بين ألمٍ وأمل، وتفكر في أنّ طفلها قد يختار هذه اللحظة تحديداً ليعلن قدومه، وبينما كان الأب يتلقى اتصالات العائلة التي تسأله عن حالتها وتخبره أنّ المائدة جاهزة، وأنّ الدعوات تسبق المدفع بدقائق، جاء الصوت المدوي من بعيد، صوت المدفع الذي اعتاد الناس سماعه في مدنٍ كثيرة من العالم الإسلامي مثل الرياض ودبي والقاهرة؛ ليختلط في تلك الغرفة البيضاء بصوتٍ آخر أكثر رقةً وأعمق أثراً، صوت بكاء المولود الذي أعلن نفسه للعالم في اللحظة ذاتها.

لم يكن المشهد عادياً، فالممرضة التي اعتادت استقبال المواليد بابتسامةٍ مهنيةٍ هادئة، وجدت نفسها تقول ضاحكةً: "لقد اختار توقيتاً مميزاً، سيظل مرتبطاً بالمدفع طوال عمره"، وكأنها تمنحه لقباً غير رسمي منذ الدقيقة الأولى، بينما كان الأب يحاول أن يوازن بين رغبته في الركض نحو هاتفه؛ ليطمئن الأهل قبل أن يرفعوا أول تمرةٍ إلى أفواههم، وبين رغبته في البقاء قرب زوجته التي خاضت رحلة الألم بشجاعةٍ لا تُقاس.

دموع الفرح بطعم التمر في الخارج، كانت العائلة قد جلست حول المائدة، والتمر يتلألأ تحت أضواء المطبخ، وأكواب الماء تنتظر اللمسة الأولى للمولود، وما إن دوّى المدفع حتى رفع الجميع أيديهم بالدعاء، لكن الهاتف رنّ في اللحظة نفسها، فتداخل الدعاء مع صيحات الفرح، وتحولت المائدة إلى مسرحٍ صغيرٍ للعناق والتهنئة، وصار طعم التمرة الأولى مختلفاً؛ لأنّه اقترن بخبرٍ لا يتكرر كثيراً، خبر قدوم روحٍ جديدةٍ إلى العائلة، روحٍ اختارت أن تكون جزءاً من ذاكرة رمضان منذ يومها الأول.

وهكذا، صار الحديث في تلك الليلة لا يدور فقط حول حرارة الشوربة أو مقدار الملح في السلطة، بل حول الصدفة الجميلة التي جعلت الطفل يولد على صوت المدفع، وصارت الجدة تقول بفخرٍ واضحٍ إنّ هذا المولود "ابن اللحظة المباركة"، بينما يمازحه أحد الأعمام قائلاً: إنّه سيطالب بحفل عيد ميلادٍ يومياً عند أذان المغرب؛ لأنّه اعتاد أن يُحتفى به في هذا التوقيت تحديداً.

بين قدسية اللحظة وروح الدعابة ما يميز ولادة طفلٍ في شهر رمضان، وخصوصاً عند لحظة الإفطار، أنّ المشاعر تكون مشحونةً أصلاً بالروحانية والتأمل، فالصائم يكون أكثر قرباً من الدعاء، وأكثر إحساساً بنعمة الحياة، وعندما تتزامن هذه المشاعر مع ميلاد طفل، فإنّ الإحساس يتضاعف، وتصبح اللحظة أقرب إلى لوحةٍ مكتملة الألوان، فيها التعب والفرح، وفيها الدموع والضحكات، وفيها رهبة البداية ونشوة النهاية.

لكن روح الدعابة لا تغيب أبداً عن مثل هذه القصص، فسرعان ما يتحول الحدث إلى مادةٍ لطيفةٍ للتعليقات العائلية، فيُقال إنّ الطفل استعجل الدنيا؛ لأنّه لم يحتمل فكرة الانتظار حتى ما بعد الإفطار، أو يُقال إنّه أراد أن يضمن أنّ الجميع سيدعو له في اللحظة نفسها؛ لأنّ الدعاء وقت الإفطار مستجاب، فيكبر وهو يسمع هذه الحكايات، فيبتسم دون أن يدرك أنّ قصته أصبحت جزءاً من ذاكرةٍ جماعيةٍ تتكرر كل عام.

إليك حكاية أم مع مولودها في شهر رمضان: بين الرضاعة والطمأنينة وتنظيم النوم قبل الإفطار

المولود الذي وحّد الدعاء في كل بيتٍ مسلم، لحظة الإفطار لحظة دعاءٍ صادقٍ يخرج من القلب دون تكلّف، وعندما يتزامن ميلاد طفل مع هذه اللحظة، فإنّ الدعاء يتسع ليشمله دون أن يُطلب ذلك صراحةً، فيجد نفسه محاطاً بأمنيات الخير منذ الدقيقة الأولى، وكأنّ الله اختار له أن يُولد في لحظةٍ تفتح فيها الأبواب وترتفع فيها الأكف، فيحمل من تلك اللحظة معنى عميقاً قد لا يراه الناس بأعينهم، لكنّهم يشعرون به في قلوبهم.

حكاية لا تشبه سواها ليس كل مولودٍ يُكتب له أن يُولد على صوت المدفع، وليس كل صوت مدفعٍ يرافق صرخة حياةٍ جديدة، ولذلك تبقى هذه الحكاية مختلفة؛ لأنّها جمعت بين نهاية يومٍ من الصيام وبداية عمرٍ كامل، وبين لحظة انتظارٍ قصيرةٍ ولحظة انتظارٍ امتدت تسعة أشهر، وبين صوتٍ اعتاد الناس سماعه كل مساءٍ في رمضان، وصوتٍ لن يُسمع للمرة الأولى إلا مرةً واحدةً في العمر.

وهكذا، يصبح المولود الذي جاء على صوت المدفع أكثر من مجرد طفلٍ وُلد في توقيتٍ مميز، بل يصبح رمزاً لالتقاء العادات بالحياة، والروحانية بالفرح، والصوت المدوي بالهمسة الأولى، ويكبر وهو يحمل في قصته معنى بسيطاً لكنه عميق، وهو أنّ بعض البدايات تختار لنفسها توقيتاً لا يُنسى؛ لتظل محفورةً في الذاكرة كلما دوّى المدفع، وكلما ارتفع الأذان، وكلما اجتمع الناس حول مائدةٍ تنتظر لحظة الإفطار، فيتذكرون أنّ في أحد الأعوام، وفي إحدى اللحظات، جاء طفلٌ إلى الدنيا على صوت المدفع، فصار شهر رمضان بالنسبة لهم لا يُذكر دون أن يُذكر اسمه معه.

عندما يكبر طفل شهر رمضان.. كيف نحكي له قصة قدومه؟ عندما يكبر الطفل، ويجلس إلى جوار أسرته على مائدة الإفطار، وربما يكون قد بدأ صيام الطفل الأول، سيأتي اليوم الذي يسأل فيه بعينين فضوليتين: "كيف جئتُ إلى الدنيا؟ وماذا كان يحدث في ذلك اليوم؟" وهنا تبدأ مهمة الأبوين في صياغة القصة، لا باعتبارها سرداً لوقائع طبيةٍ جافة، بل باعتبارها حكاية دفءٍ وانتماء، حكاية تُشعره أنه لم يكن مجرد حدثٍ عابر، بل كان هديةً جاءت في توقيتٍ مميزٍ اختاره الله بعناية.

رواية قصة الميلاد ليست.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من مجلة سيدتي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من مجلة سيدتي

منذ 5 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 4 ساعات
منذ 5 ساعات
منذ 7 ساعات
منذ 8 ساعات
مجلة سيدتي منذ 5 ساعات
مجلة هي منذ 6 ساعات
مجلة سيدتي منذ 8 ساعات
مجلة سيدتي منذ 5 ساعات
مجلة هي منذ 45 دقيقة
مجلة هي منذ ساعة
مجلة سيدتي منذ 10 ساعات
مجلة سيدتي منذ 16 ساعة