بغداد بين واشنطن وطهران وتل أبيب:
العراق عقدة المصفوفة الرباعية للصراع
قراءة في الطبقات العشر للموقع العراقي داخل المصفوفة الرباعية للحرب الإقليمية، وكيف تحولت بغداد من ساحة تتأثر بالصراع إلى عقدة قد تحدد مساره.
الدكتور ثائر العجيلي
المقدمة:
"في الحروب الكبرى لا تتحول بعض الدول إلى ساحات فقط، بل إلى عقدٍ يتحدد عندها مسار الصراع والعراق اليوم يقف في هذه العقدة بالضبط".
فمع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وتداخل الحسابات الإسرائيلية والعربية في مسار الحرب الإقليمية، لم يعد العراق مجرد بلد يتأثر بما يجري حوله. بل أصبح نقطة تماس مركزية داخل معادلة أكثر تعقيدًا، تتقاطع فيها إرادات أربع قوى رئيسية: واشنطن، وطهران، وتل أبيب، والعالم العربي.
وفي الوقت الذي تحاول فيه بغداد تثبيت معادلة دقيقة تقوم على رفض تحويل أراضيها إلى منصة حرب ضد أي طرف، تتصاعد على الأرض ضغوط متعددة: تحذيرات أمنية، هجمات للفصائل المسلحة، توتر سياسي داخلي، وضغوط اقتصادية مرتبطة بالنفط ومسارات التصدير. هذه المفارقة تكشف حقيقة أعمق من مجرد أزمة أمنية عابرة.
فالعراق لم يعد مجرد جزء من الإقليم؛ بل أصبح العقدة الأكثر حساسية في المصفوفة الاستراتيجية للصراع الدائر في الشرق الأوسط. فهو في الوقت نفسه دولة تحاول الحفاظ على حيادها، ومسرح اشتباك محتمل، وعمق نفوذ إيراني، ونقطة تمركز أمريكي، وحلقة في الحسابات الأمنية الإسرائيلية، وخزان طاقة يتعرض لضغط متزايد في حرب طويلة.
لهذا فإن فهم موقع العراق في هذه اللحظة لا يمكن أن يتم عبر توصيف واحد أو قراءة سطحية. فالدولة العراقية اليوم تعمل داخل طبقات متراكبة من الأدوار والضغوط، تجعلها تقف في موقع فريد: ليست ساحة حرب مفتوحة بالكامل، لكنها ليست أيضًا دولة قادرة بعد على فرض قواعد اللعبة فوق أرضها.
مفتاح القراءة:
العراق بالتفصيل الدقيق داخل المصفوفة الرباعية ليس "ساحة" فقط، بل خمس دول في دولة واحدة وظيفيًا:
هو في الوقت نفسه دولة تريد الحياد، ومسرح اشتباك، وممر نفوذ إيراني، وعقدة تمركز أمريكي، وحلقة ربط في الحسابات الإسرائيلية، وخزان طاقة مهدَّد. لذلك فإن قراءة العراق يجب أن تكون على شكل طبقات، لا على شكل توصيف واحد. هذا استنتاج تحليلي مبني على تراكب المواقف العراقية الرسمية مع تصاعد هجمات الفصائل والتحذيرات الأمريكية والاختناقات النفطية.
ومن هنا تأتي أهمية قراءة العراق بوصفه مجموعة طبقات استراتيجية تكشف في مجموعها موقعه الحقيقي داخل المصفوفة الرباعية للصراع.
الطبقات الاستراتيجية للموقع العراقي
1 الطبقة الأولى: العراق كدولة تحاول النجاة من التحول إلى قاعدة حرب.
الموقف الرسمي العراقي في الأيام الأخيرة كان واضحًا: محمد شياع السوداني أبلغ طهران أن العراق لن يسمح باستخدام أراضيه منطلقًا للاعتداء على إيران، ووزارة الخارجية العراقية شددت على رفض التصعيد وعلى أن الحرب ليست وسيلة لحل الأزمات، كما شددت رئاسة الوزراء على أن استهداف البعثات والسفارات داخل العراق أمر مرفوض. هذا يعني أن بغداد تحاول تثبيت معادلة شديدة الصعوبة: لا نكون منصة لواشنطن ضد طهران، ولا نكون منصة لطهران ضد واشنطن. لكن مجرد اضطرارها لإعلان هذا التوازن يعني أن الخطر قائم أصلًا.
2 الطبقة الثانية: العراق كعقدة تمركز أمريكي، وبالتالي كهدف تلقائي.
السفارة الأمريكية في بغداد أصدرت عدة تنبيهات أمنية خلال مارس، بينها إغلاق المنطقة الدولية وتحذيرات من احتمال استهداف أماكن يرتادها أجانب في إقليم كردستان من قبل جماعات موالية لإيران. وفي الوقت نفسه أفادت رويترز اليوم بأن جماعة عراقية موالية لإيران أعلنت إسقاط طائرة تزويد وقود أمريكية في غرب العراق، كما أشارت تقارير أخرى إلى تصاعد هجمات المسيّرات والصواريخ على القوات الأمريكية والبنى المرتبطة بها داخل العراق. هذا يجعل العراق، عمليًا، جزءًا من بنك الأهداف لا مجرد بلد مجاور للحرب.
3 الطبقة الثالثة: العراق كعمق إيراني لكن عمق متشقق لا صلب بالكامل.
هذه نقطة بالغة الأهمية. رويترز نشرت في 6 مارس أن كثيرًا من الفصائل العراقية الموالية لإيران لم تكن متحمسة للدخول الكامل في الحرب، وأن السعي إلى المال والنفوذ السياسي، إلى جانب الضربات التي أضعفت محور إيران في ساحات أخرى، جعل المشهد العراقي أقل اندفاعًا مما كان يمكن توقعه. لكن رويترز نفسها عادت اليوم وأشارت إلى أن جزءًا من هذه الشبكة ما زال نشطًا تحت عنوان "المقاومة الإسلامية في العراق"، وأن هجماته تصاعدت على أهداف أمريكية وإسرائيلية وعلى بنى طاقة ودبلوماسية. المعنى هنا أن العراق بالنسبة لطهران ليس جدارًا واحدًا متماسكًا، بل شبكة متفاوتة الانضباط والطاعة.
4 الطبقة الرابعة: العراق كخاصرة اقتصادية رخوة جدًا في حرب طويلة.
هنا ندخل إلى نقطة قد تكون الأخطر على الدولة العراقية نفسها. وزير النفط العراقي قال اليوم إن البلاد ستبقي إنتاجها عند نحو 1.4 مليون برميل يوميًا، بعد أن تراجعت إمدادات الجنوب بنحو 70% إلى 1.3 مليون برميل يوميًا بسبب تعطل مسارات التصدير عبر الخليج، مع محاولة تعويض جزئي بالنقل البري عبر تركيا وسوريا والأردن. رويترز أشارت أيضًا إلى أن أكثر من 90% من إيرادات الدولة العراقية وتمويل إنفاقها العام يأتي من النفط. هذا يعني أن العراق، في سردية الحرب الطويلة ، ليس فقط عرضة أمنيًا، بل قابل للاختناق ماليًا بسرعة. أي حرب إقليمية ممتدة لا تضع بغداد تحت نار الصواريخ فقط، بل تحت نار الرواتب والموازنة والسيولة والدين العام.
5 الطبقة الخامسة: العراق كمسألة كردية-حدودية قد تنفجر من الشمال لا من الوسط فقط.
التحذيرات الأمريكية في كردستان بشأن الفنادق والأماكن التي يرتادها الأجانب، إلى جانب تقارير رويترز عن مشاورات بين جماعات كردية إيرانية مع.....
لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه
هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية
