تُقبــِلُ بيروتُ بجُلبــابِ حرائقِها

تُقبــِلُ بيروتُ بجُلبــابِ حرائقِها

في معتَزَلي

تُقْبِلُ بيروتُ بجُلبابِ حرائقِها

كنتُ رأيتُ وديعَ الصّافي

رافَقَهُ نصري شمسُ الدّين

معًا.. سألا عَنْ آلِ الرّحباني..

وكانا يعتزمان لقاءَ الملكةْ

أسمَعُها وهي تُغنّي ..

لبنانُ.. نسيجٌ من وردٍ ونُضارْ

فردوسٌ..

خصَّ به اللهُ الشّعراءَ وما كتَبُوا..

وأناشيدَ العذريّينَ..

وما حَفِظَتْ منها الأشجارْ

يُشارِكُها نصري شمسُ الدّينِ

ووديعُ الصّافي.. القولَ

لبنانُ.. نسيجٌ من وردٍ ونُضارْ

من وردٍ ونُضارْ

من وردٍ ونُضارْ

حينَ ترى النّـــارْ

تَخرجُ من عُزلتِها الأنهارْ

وتقرأُ آخرَ ما كتبَ الشُّعراءُ..

على الماءْ

مِنْ غَزَلٍ يتفتّحُ في أحلامِ الفقراءِ

ويذهبُ أنَّى شاءْ

كانَ الأخطلُ

يختارُ قرنفُلَ سهرتِهِ..

عِطرًا لقصيدتِهِ وفضاءً للألحانْ

******

فلماذا استبدلَتِ الأبهى في الأرض..

جحيمًا سيكونُ بفردوسٍ كانْ

ولماذا غَلَّقتِ الأبوابَ

وما عادَ مُحبُّوها ..

يحيَوْنَ نعيمًا بينَ الأصحابْ

كانَ اللّيلُ الجبَليُّ..

يُعلِّمنا أنْ نصطحبَ القمَرَ الذَّهبيَّ..

إلى السَّهرَةِ..

مَنْ نصطحِبَ الآنَ

وقد هجَرتْنا الأقمارُ

اعتزلَتْ فيروزُ صِباها

واعتكفَتْ في مملكةِ الأحزانْ

تتذكَّرُ حينًا مَنْ رحلُوا..

أو تبحثُ حينًا عَنْ لبنانْ

حينَ ترى بيروتَ بجُلْبابِ حرائقِها..

تستقبِلُها بحنانْ

تُشارِكُها نبعَ حديقتِها

وتغطّيها بالرّيْحانْ

وتسألُ جارَتَها..

لِمَ يحترقُ الحقلُ..

وتسّاقَطُ فوق مهود الأطفالِ الجُدرانْ

ولماذا تبدو سُفُنُ الصّيادينَ الفقراءْ

عزلاءْ..

هل خاصَمَها السَّمكُ الخائفُ..

وتخلّى عنها الماءْ

*******

يتذكّرُ عبد الله مقاهي الحمراءْ

يملأُها العشاقُ حكاياتٍ

وتطولُ حواراتُ الشّعراءْ

مَن يتذكَّرُها الآن ؟

وغيرُ بعيدٍ عنْها .. أنهارُ دماءْ

أيامَ نجيءُ إليْها ..

من مدنِ الأرضِ ومختلفِ البلدانْ

نتعلّمُ مِنْها الحُبَّ..

ونقرأُ معنى أن يتجلَّى فينا الإنسانْ

والآن ..

ما عدْنا نقرأُ فيها ما كانَ..

فما عادَتْ بيروتُ مَلاذًا..

ما عادَ الخوفُ غريبًا فيها..

يبحثُ عَمَّن يأويهْ

ما عادَ وديعُ الصّافي ..

يسحرُ ليلَ الجبليّينْ

ولا نصري شمسُ الدّينْ

اعتزلَتْ فيروزُ الفرحَ البيروتيَّ..

وأدمنَتِ الحُزنَ..

وبِتْنا نخشى أنْ تصلَ النّارُ

إلى عرشِ أغانيها

حميد سعيد ٢٠٢٦/٣/١٢

إلى بيروت..

د. سناء أسعد يحفوفي لبنان- بيروت

قـراءةٌ في قصيدة » تُقبــِلُ بيـــروتُ بجُلبــابِ حرائقِها« لــ »حميد سعيد«

عنـوان الدراسة: بيروت وهجيــر الأغنيــات

عتبة الجمر.. من نسيج الورد إلى جُلباب الحريق

في أتون الصّدمة، تتفجّر لغة القلم الملتهب حبرًا يتقطّر من جرح بيروت، فتغدو القصيدة معراجًا من لهبٍ عابرٍ لتخوم الصّمت. ينهض الخطاب الشّعريّ من رحم الهاوية، نصًّا يمحو المسافة بين الذّات والوطن، ويُستقطر من رماد العين لغةً بكرًا تأبى الانصهار إلّا بوجعها، وما يؤول إليه الموقف من رهبةٍ وانكسارٍ. إنّها جماليّات الألم المؤسَّسَةُ على لحظاتٍ تموج بكِيان فردوسٍ كان؛ حيث يتماهى الحرف مع كلّ شظيةٍ أصابت شوارع المدينة، نابضًا على وقع الرّحيل روحًا عنيدةً تقاوم التآكل.

من هذا المنطلق، تبدو الكتابة عند صاحب الصّوت الممزّق »حميد سعيد« شهادة الحيّ، وفعل استشهادٍ مفتوحًا على هويّةٍ قلقةٍ تحاول جاهدةً اجتراح الأمل من قلب العدم المستشري. فبيروت، عروس المشرق وسلطانة الضّياءِ، تقف الآن حيال مخاضٍ وجوديٍّ يعصف بأركان جمالها. بينما تتدفّق الرّؤيا في هذه اللّوحة الشّعرية ضياءً يخترق عتمةَ الانكسار، معيدةً صياغة الزّمن الجريح عبر تصويرٍ يتخطّى الواقع ليلامس جوهر المأساة.

ولأنّ هذه الرّؤية صادرةً عن «مرفأ الأغاني»، فقد يبدو الصّوت ملاذًا أوليًا يتمثّله وجدان الشّاعر قبيل تمدّد لهيب العدوان، حين تبدأ ملامح المدينة في الانفصال عن سكونها. فهي محضن الفنون السّامقة ومهد الخلود الصّامد. وفي مستهلّ هذا الوجع، يستحضر الشّاعر روح المدينة بملامحها الأيقونيّة، ليؤرّخ للحريق بمداد الدّهشة واللّوعة؛ إذ تقف الرّوح عند عتبة البوح، راصدةً تحوّل المشهد من فردوسٍ منشودٍ إلى ميدانٍ للجراح.

تجلّيات »جُلباب الحرائق«: تحوّل الجوهر وهدم المقدّس

يُفصح العنوان "تُقبِلُ بيروتُ بجُلبابِ حرائقِها" فضاءً من جمرٍ، يختزل فوضى الاندلاع، ويرتسم حرائق متدفّقة في جزيئات القصيدة، ليمنح القارئ ركيزةً لفضّ مغاليق الوجع المقيم، فيمتدّ الهتاف اتّساعًا في مساحات التّوتر. تمارس هذه »العتبة« سلطةً تعبيريّةً بالغة الأثر، وتؤسّس للمناخ النّفسيّ والجماليّ الهائج في ظلّ ثورة الحروف؛ فترسم ملامح الخراب قبيل تدوينه، وتتضافر مفرداته لتصوغ جرحًا مشرعًا صوب المجهول، صاهرةً قسوة اللّحظة في قالبٍ معرفيّ مثقّلٍ بالدّلالات. بذلك، يغدو هذا المسمّى برزخًا يسكنه هجير الأغنيات، جاهرًا بحضور الوعي والذّاكرة لدى الشّاعر وسط الرّكام، محرّضًا النّفس على اقتحام مآزق الاشتعال.

وإن إقبال بيروت بهذا الرّداء هو إعلانٌ صريحٌ عن تحوّل الجوهر؛ حيث يسكن الحريق نسيجها ضريحًا يلفّ جسد العاصمة، ويواري مفاتن »الفردوس« القديم ليُظهر حقيقة الجحيم الرّاهن. ومن خلف حجاب عزلته، يرى الشّاعر النّيران خيوطًا تنقش تاريخًا جديدًا من رمادٍ؛ إذ يكشف استحضار العظماء: »وديع الصّافي« و»نصري شمس الدّين« و»الرّحابنة« و»الملكة« عن مخبوءات النّفس إقرارًا بسقوط اللّاهوت الجمالي للشّرق، حيث تعجز الأصوات عن إطفاء جمرةٍ واحدةٍ من حرائق بيروت؛ إذ تمسي الموسيقى انقطاعًا مشحونًا بقداسةٍ مأزومة.

وإن اعتزال »فيروز« في القصيدة يتخطّى احتجاج الصّمت، بالغًا مرتبةً الانتحار الرّمزيّ للوطن؛ فالمملكة الّتي حكمتها بالصّوت تهاوت أركانها، وباتت الملكة تلتحف صباها على مذابح الفجيعة. ليصبح "الجلباب" قيدًا ارتضاه المثقّف العربيّ لنفسه عبر التفرّج على الحريق بعينٍ باردة، مستقرًا في منطقةٍ رماديّةٍ بين الوعي والفعل، حيث يتآكل الموقف لصالح خطابٍ يعيد تدوير الفاجعة. فتغدو اللّغة ملاذًا يُؤجَّل فيه الحسم، ويُستعاض فيه عن الفعل بتكثيف العبارة، حتى تستقرّ الكارثة في حيّز القول دون اختراقٍ لجوهرها. مثلما يمثّل انكفاء »فيروز« انسلاخًا للهوية عن موضعها؛ "الفرح البيروتيّ" الّذي أدمنت رسمه بصوتها يصبح غربةً حادّة. أمّا بحث العمالقة عن "الملكة" فهو اعترافٌ ضمنيّ بعجز الأغنية عن رتق جرح الواقع. ويمثّل هذا الاعتكاف صورةً لانطفاءٍ بصريٍّ لشعوبٍ كانت ترى في وجه تلك الملكة خريطةً للنّجاة، فيما يغدو غياب "صباها" دلالةً على تهالك الذّاكرة العربيّة وعجزها عن استعادة براءتها الأولى أمام وحشية العدوان.

التّناصّ الرّوحيّ: بيروت.. غرناطة المشرق والمجاز الجريح

يستدعي المدوّن في مخاض نصّه روح "الفردوس المفقود"، مُسقطًا جرح الضّياع الأندلسيّ على حريق بيروت الرّاهن.» لبنان.. نسيجٌ من وردٍ ونُضارْ.. فردوسٌ.. خصَّ بهِ اللهُ الشُّعراءْ«؛ حين يُنطق الحرف يرسم معالم جنّة غرناطة في ذروة بهائها، حيث كان الورد سياجًا للحضارة، والنُّضار مدادًا للعقل والتّرف الأندلسي. وإن المدينة الّتي كانت ملاذًا للشّعراء وبوصلة الحداثة، تواجه اليوم مصير آخر ملوك الأندلس، واقفةً على مشارف تاريخها تبكي مُلكًا أضاعه تهاون الحاضر وتواطؤ اللّحظة.

وإن تجلّي "السّيّدة" في معتزلها، يحيلنا وجدانيًّا إلى هيبة »ولّادة بنت المُستكفي« في قرطبة، بما تمثّله من سلطة جماليّة مقابل الحرب. لكنها هنا، بفعل النّار والخراب باتت ملكة مخلـوعة عن عرش الغناء، تبني مملكتها من الأحزان بدلًا من قصور »الحمراء«. بينما يبدو بحث العمالقة عنها بمثابة رحلة الأقلام المنفيّة عن روح.....

لقراءة المقال بالكامل، يرجى الضغط على زر "إقرأ على الموقع الرسمي" أدناه


هذا المحتوى مقدم من وكالة الحدث العراقية

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من وكالة الحدث العراقية

منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 3 ساعات
قناة السومرية منذ 10 ساعات
قناة السومرية منذ 31 دقيقة
عراق 24 منذ 13 ساعة
قناة السومرية منذ ساعتين
عراق 24 منذ 13 ساعة
وكالة الحدث العراقية منذ 5 ساعات
قناة السومرية منذ 17 ساعة
عراق 24 منذ ساعة